ملك الاردن عبدالله بن الحسين (الشخصية والاداء السياسي)

تختلف الأردن عن بقية الدول العربية، من حيث طبيعة نظامها السياسي، ومن حيث طريقة تفكير رموز هذا النظام وتعاطيهم مع قضايا المنطقة والعالم . وهذا الاختلاف جاء بفعل التنشئة الاجتماعية – السياسية لملوكها الذين تعاقبوا على الحكم فيها . وما دام موضوعنا هو الملك عبد الله بن الحسين الذي لازال يرأس الدولة الأردنية حتى هذه اللحظة، فأننا سنركز على شخصية هذا الرجل، من خلال اخضاعه للتحليل النفسي والسياسي، المتجرد والعلمي، وكما يأتي :

اولا – التحليل النفسي للملك عبد الله :

معروف ان التحليل النفسي ينقسم الى قسمين، هما :

1 – الجانب المادي:

 ان المظهر الخارجي للملك، يعتبر سلبيا، وذلك لقصر القامة، فمن المتعارف عن الملوك والاباطرة ان تكون اجسامهم كبيرة ممشوقة وطيلة، بحيث تحتاج الرعية ان ترفع رأسها الى الاعلى للنظر اليهم. حتى ان مذكرات الساسة البريطانيين التي كانت تتحدث عن الملك فيصل الاول ملك العراق، بأن التاج البريطاني قد اختاره لأنه طويل القامة على خلاف بقية اخوته . هذه السمة يفتقر لها الملك الاردني الحالي، الأمر الذي اضاع عليه الكثير من الهيبة المطلوبة لكل ملك، بالأخص في المنطقة العربية التي تعتبر الطول من علامات الجمال واماراته .

الشيء الثاني الغائب عن الملك الاردني، هو الشنب (الشوارب) التي يعتز بها الانسان العربي، وتكون دليل على رجولته وشخصيته القوية، ربما ان الملك يجد في حلق شاربه شيء من الوسامة، على اعتبار ان قصر القامة قد لا يتناسب مع طول الشارب.

ايضا، ما يلاحظ على الملك انه كثير الحركة، يلعب الرياضة، ويرتدي اي شيء من الملابس ويظهر في كل مكان وفي اي زمان . ربما انها تشير الى طبيعته المنفتحة، لكنها لا تتناسب مع رزانة الملوك وحذرهم من ان يراهم الناس في مواقف غير الرسمية .

2 – الجانب المعنوي :

ان تفسير بعض العلامات المظهرية- المادية، في شخصية الملك الاردني، ومنها حلق الشوارب، والظهور في اماكن غير رسمية، قد تجد تفسيرها في الجانب المعنوي او الروحي له ، فتتبع المسيرة الحياتية للملك، ستوصلنا الى انه قد تأثر بشكل او أخر بالثقافة الغربية ، فالملك عبدالله هو ابن الزوجة البريطانية لوالده الملك حسين ، بمعنى ان اخواله هم بريطانيين اقحاح. ومعروف عن الانسان مدى تعلقه بالأم ، ومدى مقدرتها على ان تؤثر في شخصيته بما يفوق الاب بعدة مرات . الشيء الاخر الذي اثر في شخصية الملك، هو سنوات الدراسة الطويلة التي قضاها في المؤسسات التعليمية الغربية . ومعروف ومؤكد ايضا ان الدراسة لا تعطي الانسان المعلومات فحسب، بل هي تزرع القيم والثقافة في ذاته ايضا . والدليل ان الملك بات اكثر انفتاحا، واكثر مرونة وكسرا للروتين، من اقرانه الملوك سواء العرب او غيرهم . فهو يمارس الرياضة، ويحب الطيران، ويقرأ الروايات ويشاهد الافلام ، بل ويعرف الفنانين والممثلين واعمالهم . وعودة على موضوعة الشوارب والظهور غير الرسمي، فهي ايضا علامة ودلالة على التأثر بالثقافة الغربية، التي تهتم بالجوهر والافعال اكثر من المظاهر التي قد تكون مخادعة وغير دقيقة.

ثانيا – التحليل السياسي :

يمكننا ان نقسم الاداء السياسي، الى الأتي:

1 – الايجابيات :

ربما ان الخصائص المادية للملك اعلاه لم تكن في صالحه، لكن الجانب المعنوي منها كان له تأثير ايجابي كبير على اداءه السياسي . فثقافته التي قلنا عنها انها تميل للغرب اكثر من الشرق، تعانقت مع الموروث السياسي الاردني، لتضفي على الملك، ومن ثم على السياسة الاردنية : الداخلية و الخارجية، اهم سمة في عصرنا الحالي، الا وهي سمة الرشد والعقلانية السياسية . وهذه السمة كما اشرنا موروثة من والده الملك حسين، فقد كان الحاكم العربي الوحيد تقريبا الذي تمكن من ان يبعد بلاده عن الصراع العربي الاسرائيلي. وجنبها ويلات العداء للغرب ولإسرائيل، ولو سنحت الفرصة للحكام العرب وعاد بهم التاريخ، لربما انهم سيفعلون مثله بالضبط ، نظرا للمآسي التي مرت بها شعوبهم بسبب عاطفتهم غير المحسوبة تجاه القضية الفلسطينية، دون ان يجنوا مردوداتها . وبالتالي فأن الملك عبدالله هو وريث تلك العقلية المتجردة – البراغماتية . ومما عزز من هذا الامتداد الرشيد في الحكم هو الثقافة والتنشئة الغربية التي استمدها من والدته، فضلا عن الدراسة في الجامعات الغربية .

ان التنشئة السياسية التي استمدها الملك عبدالله من والده، ومن الثقافة الغربية، قد انعكست بشكل ايجابي على اداءه السياسي، والادلة على ذلك كثيرة، ولعل من اهمها الآتي :

أ – الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة :

فبالرغم من ان الملك جاء في الفترة التي هدأ فيها الصراع العربي – الاسرائيلي، الا انه مثل كل شاب كان من المفترض ان يندفع نحو اليسار، ويخرج عن الخط الذي اراده والده للأردن، لكن هذا لم يحدث . اذ تمكن من المحافظة على علاقة بلاده مع الولايات المتحدة ومع اسرائيل، وهذا بدوره قد جنب الاردن مخاطر جمة، كانت من الممكن ان يتعرض لها لو فعل مثل بعض الدول العربية الاخرى .

ب – طريقة تعامله مع الاحتلال الامريكي للعراق :

معروف عن النظام السياسي في الأردن انه يرتبط بالنظام العراقي السابق بعلاقات ودية ومتينة، وكان من المفترض ان يكون له موقف قوي الى جانب العراق . لكن النظام عندما عرف انه لن يستطيع فعل شيء، اكتفى بالاستنكار دون ان يقطع علاقته مع الدولة المحتلة، واسرع بالتعاون مع النظام السياسي الجديد في بغداد ، رغم انه غير راضي عن الذي حصل. وهذا الامر هو الاخر يحسب للملك.

ج – ابعاد الاردن عن حركات التغيير العربية (الربيع العربي) :

بالرغم من ان الاردن هو موطن رحب للحركات الراديكالية – الاسلامية . الا ان سياسة الملك ومن خلال النقاط اعلاه، قد مكنته من ان يبعد بلاده عن حركات التغيير، فكما هو معروف ان الربيع العربي لم يغلي الى هذه الدرجة لولا الدعم الامريكي له . وبما الاردن هو حليف امين و وفي للولايات المتحدة، فقد جعلها تحميه بوسائلها المعروفة والخفية . فضلا عن كل ذلك، فأن للملك في الداخل شعبية كافية للحفاظ على عرشه، بوجه رياح التغيير .

د – الحصول على المساعدات الاقتصادية :

عند التفكير بالطريقة التي يدير بها الملك الدولة، في ظل ضعف مصادر الدخل القومي ، سيجد المرء العجب، فهذه البلاد تتغذى بشكل كبير على المساعدات الدولية من جهة . والتسهيلات الدولية من جهة اخرى . في البداية سيتصور المرء ان الاردن يأخذ مساعداته بالمجان، لكن عند التمعن في الأمر سيظهر العكس . الاردن يأخذ المساعدات لقاء سياساته الخارجية، المبنية على دعم الاطراف التي تعطيه المساعدات بالمواقف ، اي المواقف السياسية – مقابل المساعدات .

2 – السلبيات :

لكن قد يعترض البعض، ويقول الا توجد سلبيات ترتبت على الاردن بسبب الملك عبد الله وسياساته، فنقول، بالتأكيد هناك سلبيات، لكنها قليلة مقارنة مع الايجابيات، ومن بين تلك السلبيات، الآتي :

  1 – الابتعاد عن الديمقراطية :

لا تختلف الأردن عن بقية دول الجنوب، من حيث انها تنتهج حكما ديمقراطيا شكليا، بعيد كل البعد عن الحكم الديمقراطي الحقيقي، فكل شيء مرهون برضا الملك وارادته .

2 – الاقتصاد المرهون بالمساعدات الخارجية :

ان عجز البلاد عن ايجاد مصادر للدخل ، قد جعلها رهينة للمساعدات الدولية، وكما قلنا اعلاه المساعدات هي ليست بالمجان، بل بمقابل مواقف سياسية، وهذه المواقف قد تكون على حساب سيادة الاردن واستقلاله .

3 – الخطوط الحمراء : الامريكية – الاسرائيلية :

حتى لو تمكن الملك من ان يكسب ود الولايات المتحدة الى جانب بلاده، وان يضمن عدم تدخل اسرائيل في شؤونه الداخلية ، فهاتان الدولتان لن تسمحا للأردن بأن يصل الى حالة كبيرة من التطور، بل يجب ان يبقى دولة ضعيفة تعتمد على المساعدات الخارجية ، لأن العقل الغربي – الاسرائيلي ، لا يثق بالعرب حتى لو اثبتوا انهم حلفاء دائمون، اذ تبقى الهواجس الاسرائيلية من ان تتغير سياسة ملوك الاردن في المستقبل دافعا للوقوف بوجه وصوله الى درجة عالية من التقدم .

اذن، عند النظر الى الايجابيات التي في شخصية الملك عبد الله الحسين ملك الاردن، سنجد بأنها تفوق السلبيات، وهذا هو السر من وراء الاستقرار النسبي الذي يتمتع به الاردن .