مستقبل العملية السياسية والديمقراطية في العراق

على الرغم من ان الديمقراطية فكرة قديمة ارتبطت بحياة الانسان ونظامه العام وعرفت تطوراً تاريخياً مستمراً، انطلاقاً من متطلبات الواقع ومشاكله ، وبعد دفاع مستميت ودائم عليها، فإن مسيرتها التطورية جعلت مفهومها المعاصر محكوماً بضرورة توافر مجموعة من الاليات التنظيمية والسياسية والحزبية والقانونية، كوجود دستور ديمقراطي وإجراء الانتخابات وتشكيل الأحزاب، واحترام مبدأ التداول السلمي للسلطة، وحماية الحقوق والحريات العامة وغيرها من المقومات التي يحتاجها نمو واستمرار الحكم الديمقراطي وفعالية مؤسساته في ظل البيئة الملائمة، وانتشار الثقافة الديمقراطية الشاملة ، فالديمقراطية ليست إلا بنية وآليات وممارسة سياسية وقانونية، يمكنها التكيف مع ظروف المجتمع وخصائصه الثقافية والاجتماعية والحضارية، وان اجراءات التحول الديمقراطي التي تقتضي الاعتماد على الاختيار الشعبي ومشروعية المؤسسات واحترام القانون وتطبيقه والفصل بين السلطات وتكريس التعددية السياسية وحماية حقوق الانسان وحرياته المختلفة، ليست إلا شرط للوصول اليها، والعراق الذي لم يأت التحول الديمقراطي فيه برغبة داخلية وإنما بفعل إرادة خارجية وقوى عراقية مدعومة تعيش في الخارج، ولقد تمثلت واحدة من أكبر الخطايا التي ارتكبتها سلطات الاحتلال في العراق في تفكيك الدولة العراقية وحل اجهزتها مؤسساتها وفي مقدمتها الجيش والشرطة والمؤسسات الخدمية ، كما تركت الكثير من المؤسسات والأجهزة الحكومية الأخرى عرضة للسلب والنهب خلال المدة الأولى للاحتلال، مما أوجد حالة من انعدام الدولة في العراق وترتب على ذلك بناء الدولة انطلاقاً من متغيرات داخلية وخارجية وبناء آليات قانونية وسياسية وفق رؤى القوى الاقليمية والدولية لم تساهم في حفظ حقوق المواطنة العراقية وبناء تحول ديمقراطي سليم يلائم الواقع العراقي، فعلى الرغم من وجود آليات ديمقراطية على وفق المبادئ المتعارف عليها تحفظ المواطنة العراقية الحقة والهوية الوطنية ، إلاّ ان واقع التطبيق العملي عرض مفهوم المواطنة العراقية لغموض كبير وتشويه وتحريف عن معانيه ومدلولاته التي تترتب عليها واجبات عديدة وحقوق مختلفة إذ بان أنظمة الحكم السابقة ، وجاءت مرحلة ما بعد 2003 لتحيل المواطنة العراقية للمزيد من الغموض والتشويه والانحراف على الرغم من الطابع الديمقراطي الذي يتسم به النظام السياسي الحالي من وجه نظر القائمين عليه ، وعلى الرغم من أن بناء المواطنة العراقية والهوية الوطنية والتحول الديمقراطي بطئ إلا أن العراق لا يزال يعيش أزمة ديمقراطية بسبب تاريخه الشائك والمرير الذي عاشه لمدة طويلة تحت سلسلة من الاحتلالات المقيتة  ، وما صاحبها من تدهور في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي خلقت سياسات شمولية أدت الى ارتباكات حقيقية في المنظومة القيمية والوطنية ، ونظراً للموروث الشامل في المؤسسة السياسية الحاكمة في المجتمع العراقي وتأثير الأطر السياسية الاقليمية على الحياة السياسية في العراق، فإذا كانت ثمة دول قطعت أشواطاً طويلة في الانتقال إلى الديمقراطية، فإن العراق المعاصر وضع أول خطواته لرسم نظام سياسي، نيابي، ديمقراطي، اتحادي بعد التغيير السياسي عام 2003، سيما وان التحدي الأكبر الذي يواجه العراقيين في الوقت الراهن بشأن موضوع الدولة لا يتمثل في عملية بناء أجهزة الدولة ومؤسساتها فحسب، ولكن في إعادة تأسيس مفهوم الدولة في وحداتهم وثقافتهم السياسية، بحيث تستقطب الولاء الأسمى للمواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية والعشائرية والعراقية والدينية.

وعلى الرغم من أن العراق قد انخرط في مسارات بناء مقومات الدولة بعد عام 2003، إلا أن مستقبل هذا البناء لا يعرف ما إذا كان  سيتجه نحو استمرار الوضع الراهن أم سيتجه نحو النجاح أم نحو الفشل، وهنا تقدم هذه المقالة ثلاثة سيناريوهات استشرافية ،فالأول يفترض استمرار الوضع الراهن على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بمعنى بقاء المشهد السياسي على هذه الشاكلة متمثلاً باستمرار الكتل البرلمانية الحالية على النهج نفسه والعقيدة الفكرية على اختلاف الدورات الانتخابية اللاحقة ومع التقادم الزمني تصبح مسألة المحاصصة عرفاً سياسياً ودستورياً، لا يمكن التخلي عنه ما قد يفضي إلى حالة من عدم الاكتراث السياسي للمواطن العراقي نتيجة لشعوره بالإحباط وعدم جدوى المشاركة السياسية سواء أكان  في الانتخابات المحلية أم النيابية ، ما يؤدي نحو مزيد من الانقسام الطائفي من ثم تصبح الفيدرالية هي الحل الطبيعي والمنطقي لمثل هكذا واقع متردٍ متمثلاً بالانقسام إلى ثلاثة أقاليم قومية ومذهبية مرتبطة بحكومة مركزية شكلية ضعيفة ، والعوامل الداعمة لذلك الاحتمال هو انسجام وتلاقي عدة ارادات وهي الارادة الامريكية الراغبة بتقسيم العراق لغايات سياسية واقتصادية مستقبلية في امكانية اخضاع ثلاثة لإرادتها أسهل من اخضاع دولة واحدة، وإرادة المجاميع المعادية للولايات المتحدة الأمريكية في إقامة دولة لهم بالقرب من المصالح الأمريكية، وإرادة بعض القوى الراغبة في إقامة دولة اقليم الجنوب، وأخيراً إرادة كوردية سعياً في إقامة دولة كوردستان التي طال انتظارها، نتيجة عدد من المعطيات:

  • بقاء الدستور بدون تعديل نتيجة الاجراءات الصارمة لتعديله، فاللجنة التي شكلت وفق المادة (142) من الدستور لم تنه أعمالها وقد انتهت الدورة الانتخابية الاولى لمجلس النواب دون اجراء التعديل الدستوري، فضلاً عن الآليات التي وضعها الدستور لتعديله وخصوصاً عدم رفض التعديلات من ثلثي المصوتين في ثلاث محافظات يجعل التعديل محكوماً بالتوافق بين المكونات الرئيسة في المجتمع العراقي، واذا ما عرفنا أن بعض هذه المكونات قد حققت وفق منظورها إنجازات كبيرة في هذا الدستور فإن مسألة التنازل عن هذه الانجازات أمر يحتمل الشك.
  • التعددية والتنوع القومي والديني والمذهبي الذي يسود المجتمع العراقي ما زال يثير اشكالية الانتماء إلى الدولة- الوطن- الأمة، فالمسألة الاثنية تجد أرضية لها في الواقع العراقي.
  • استمرار حالة التوافقية السياسية للاتفاق على حد أدنى من القواعد التي تحكم ممارسة السلطة على قاعدة ضمانات متبادلة للمصالح الحيوية للأطراف المشاركة كلها في العملية السياسية، من أجل تثبيت أسس الاستقرار السياسي، ومن ثم الشروع في بدء عملية بناء المواطنة العراقية.
  • أزمة الإرادة والقيادة السياسية، كالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني نجدها غير فعالة في التأثير على السياسة العامة على الرغم من كثرتها.
  • قلة وعي المواطن بمفهوم المواطنة، وازدياد الضغوط على العملية السياسية من قبل الأطراف المشاركة فيها لإدخال بعض الاصلاحات.
  • التدخل الخارجي الدولي والاقليمي وانفتاح النخب السياسية على الدول الاقليمية وقبولها بالتدخل أكثر من انفتاحها على بعضها البعض، وتدخلها بشكل سلبي بما يؤثر على منظومة الدولة ككل.
  • المؤسسة البرلمانية التي يشترط ان تكون مدرسة مساندة للعمل الحكومي، فما زال نشاطها وأدائها لم يدخل مرحلة المأسسة للنشاط السياسي والظاهرة السياسية نتيجة الاحتقانات السياسية الطائفية والدينية والقومية التي رافقت بداياته.
  • أما السلطة التنفيذية فإن التحولات الحكومية رغم أنها كانت سلمية إلا أنها ستظل غير سليمة نتيجة عدم استقرارها وسيستمر الوضع من حيث الانتخابات والتبدلات في الوزراء والانسحابات والوكلاء الحكوميين استناداً لقواعد المحاصصة الطائفية.
  • استمرار النزاعات بين القوى السياسية فيما يخص تشكيل الحكومة واستمرار الأزمات المتتالية التي لا تحل في الوقت نفسه وإنما تؤجل لتتراكم، واستمرار الأزمات بين الحكومات المحلية والإقليم والمركزية على الصلاحيات الممنوحة لهم.
  • استمرار انتهاكات حقوق الانسان والتضييق على الحقوق والحريات الاعلامية والصحفية والتعسف في استخدام قانون مكافحة الارهاب.
  • التنظيمات والمليشيات والجماعات المسلحة والتي اوجدت حالة من الفراغ الامني، والذي انعكس سلبا على الاداء الحكومي بمختلف جوانبه وأثقل كاهل الدولة.
  • أما بالنسبة لمشهد تغيير الوضع الراهن، والذي يفترض حصول تغيير في المفاهيم والواقع السياسي من ناحية التفاؤل بما يؤدي إلى نجاح بناء المواطنة العراقية الحقيقية والتحول الديمقراطي السليم بما يؤوله هذا المشهد إلى القطيعة مع الوضع الراهن والتحول نحو البناء والنجاح والافتراضات التي يقوم عليها هذا المشهد هي:
  • تعديل الدستور بشكل يؤثر على العملية السياسية من خلال تعديل المواد الدستورية المختلف عليها بما يضمن حل تلك القضايا مثل قضايا النفط والغاز وسلطة الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم والمناطق المتنازع عليها التي دائماً تؤثر على مسار العملية السياسية وهذا التعديل يؤدي إلى تعزيز السيادة الوطنية العراقية وان الوطن لجميع المواطنين وأن لا يقتصر على طائفة دون أخرى، وتعزيز مبدأ مكافحة (الارهاب) من خلال حظر كل الممارسات التي تؤدي إلى إرهاب المواطنين ، وحظر تشكيل الميليشيات خارج القوى المسلحة، وأن يكون ولاء الجيش للوطن وليس لحزب معين، فضلاً عن تعزيز الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمواطن العراقي من خلال التشريعات المهمة التي لابد من تشريعها واستقلال السلطتين التشريعية والتنفيذية والقضائية بما لا تعمل كل سلطة على القاء التهم للسلطة الاخرى، وتأصيل سبل المحاسبة ابتداء بالرقابة ومروراً بالانتخابات وصولاً إلى تمكين المجتمع المدني من خلال كافة منظماته إلى تولي دور الراصد والنافذ، وتداول السلطة بفترات زمنية محدودة وبصورة سلمية، ومنع التمييز بين العراقيين والمساواة بين الجميع أمام القانون، بالإضافة إلى احترام الاقلية لحقوق الأكثرية مع واجب الأغلبية في صيانة حقوق الأقلية وضمان حقها في التعبير.
  • تبدل المفاهيم والعقائد التي تحكم سلوكيات الكتل النيابية وانهيار التحالفات التقليدية القديمة وانصرافهم نحو تشكيل كتل نيابية قائمة على برامج انتخابية وطنية تعكس المشاكل والتطلعات العراقية أي العمل وفق الثوابت الوطنية التي لا خلاف عليها، وتبني نظام سياسي وإداري يحافظ على الوحدة الوطنية العراقية سواء أكان في اللامركزية الإدارية لمجالس المحافظات أو المركزية الإدارية، بعيداً عن الفيدرالية التي يمكن ان تفضي إلى تقسيم العراق وتمزيق وحدته، ومن العوامل الداعمة لهذا الاحتمال هو عزوف المواطن العراقي عن الحياة السياسية ما يهدد الأحزاب والكتل النيابية بمستقبل بقائها ما يعني رضوخهم لإرادة المواطن لضمان استمرارها على الساحة السياسية.
  • توقف تدخل دول الجوار من خلال عدم السماح لها بفرض املاءاتها على العراقيين، وتقوية دور منظمات المجتمع المدني ويكون دورها تكميلياً لتحول ديمقراطي حقيقي وبناء مواطنة صالحة، وستبني الأحزاب السياسية برامجها الوطنية بعيداً عن الطائفية أو المكون المنتمي اليه بما يحقق المواطنة العراقية.
  • تحقيق مصالحة وطنية شاملة مع كل ابناء الشعب العراقي وتجريم الطائفية والتنازل عن الولاءات الثانوية والفرعية والقومية والمذهبية لصالح الولاء الوطني للعراق.

أما مشهد استمرار الوضع الحالي مع التغيير فهو مشهد احتمالي جامع للمشهدين السابقين بما يؤكد الجمع بين معطيات وفرضيات المشهدين السابقين، وتوصلت المقالة إلى استنتاجات ايجابية وسلبية:

فالإيجابية هي:

  • إن التغيير السياسي عام 2003 أدى الى اقرار دستور دائم للدولة عام 2005 عمد دستور جمهورية العراق لعام 2005 إلى تقديم أفضل الضمانات الممكنة لحماية حقوق الانسان وحرياته الأساسية لاسيما التأكيد على مبدأ المشروعية (سيادة القانون)، ومبدأ الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء وفسح المجال أمام الفرد لممارسة حق التقاضي، فضلاً عن التأكيد على دولة القانون ومبدأ سمو الدستور وما يرتبط به من الرقابة على دستورية القوانين، والتداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات الدورية، وتشكيل نظام سياسي جمهوري اتحادي.
  • التأكيد على الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية لأبناء الشعب كافة، وضمان هذه الحقوق من خلال الدستور والقوانين والمؤسسات التي نشأت لضمان هذه الحقوق.
  • بناء مؤسسات سياسية (تشريعية وتنفيذية وقضائية) التي تعتبر من آليات التحول الديمقراطي والفصل بينهما بما يؤدي إلى تحقيق المواطنة العراقية.
  • السماح بالتعددية السياسية من خلال المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات عن طريق انتخاب من يمثلونهم في السلطة التشريعية والسماح بالتعددية الحزبية، فضلاً عن ظهور مؤسسات المجتمع المدني التي هي من آليات التحول الديمقراطي من خلال ما نص عليه الدستور والتشريعات التي صدرت فكفلت هذا الحق.

اما السلبية هي:

  • يعد الاحتلال الأمريكي العامل الرئيس في تغذية المشاكل التي يعاني منها العراق، كعدم المشاركة في العملية السياسية ونقص شرعيتها وعدم مصداقيتها وانعدام التوافق السياسي والاجتماعي، وفرق العراقيين شيعاً وأقواماً تتناحر فيما بينها على فئات.
  • لم تنتج تراكمات الاستبداد السياسي وأنماط البناء المشوهة السابقة للدولة والمواطنة سوى ظهور فئة من قادة العراق الجدد الذين غابت فيما بينهم أي قاعدة أساسية من الثقة، ولم يكن منظارهم لعملية بناء الدولة والمواطنة العراقية سوى أنها وسيلة لرفع الحيف أو لإعادة الامتيازات السابقة.
  • الاهمال الواضح في القطاعات الانتاجية الصناعية والزراعية والتجارية، وانخفاض متوسط دخل الفرد، وبقاء المصدر الأساس للميزانية العامة للدولة العراقية هو النفط، أي بقاء العراق دولة ريعية مما يشكل عقبة في وجه تعزيز التحول الديمقراطي.
  • انتشار مشكلات الفساد والرشوة وغياب الرقابة وارتفاع نسبة الفقر والبطالة والفوضى واعمال النهب ونقص الخدمات وانتشار الأمراض والوفيات بين الأطفال وانتهاكات حقوق الانسان المختلفة.
  • عدم وجود ثقافة سياسية ديمقراطية في المجتمع يمكن أن تؤدي إلى تعميق الصراعات بدلاً من الاسهام في حلها.
  • الخطاب السياسي للقادة العراقيين وطريقة تعاملهم مع أدوات السلطة بعد عام 2003، تبين انهم يتصارعون على أدوات السلطة، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على الفوضوية في ادارة الدولة، كما يدل على وجود أزمة الثقة والشك وعقلية التآمر في مفاصل العملية السياسية الجارية اليوم.
  • اعتمد الدستور العراقي مبدأ الفصل بين السلطات لكل من السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، ولكن على صعيد الممارسة السياسية كشفت بصورة واضحة عن تداخل حقيقي في السلطات.
  • تدخل دول الجوار العراقي، فنجد كل هذه الدول بلا استثناء كانت شريكة في عدم استقرار العراق وعامل محفز لفئاته الاجتماعية للتناحر فيما بينها، فلقد كان للتدخل الخارجي تأثير بالغ الأهمية في عرقلة بناء الدولة الحقيقي لاسيما في ظل وجود فاعلين محليين تشدهم مشاعر الانشداد لولاءات خارجية وليست وطنية.
  • تبني القوى الفاعلة في المشهد السياسي العراقي مبدأ المحاصصة والتوافق في تشكيل مؤسسات الدولة الدستورية، وما تلي ذلك من اجراءات وقرارات تتناقض مع مفهوم النظام النيابي الديمقراطي.
  • لم تخلق الأحزاب السياسية في العراق الإطار الصحيح للتعددية السياسية بل العكس، إذ يشكل كثير من هذه الأحزاب عامل تشويه للعملية السياسية عموماً، وللتعددية الحزبية بشكل خاص، أي أنها أحزاب طوائف وقوميات ومناطق وفئات أكثر منها أحزاب وطنية واسعة، وهشاشة المجتمع المدني وعدم استقلاليته، وهذا ما يهدد مستقبل المجتمع المدني في العراق.

من خلال ما تقدم، تؤطر المقالة مجموعة من التوصيات سبيلاً لبناء دولة عراقية حقيقية قائمة على اساس العدل والقانون:

  • قيام حكومة عادلة ديمقراطية لا فئوية ولا طائفية ولا قومية تجمع العراقيين كلهم وتجعل العدل والاحسان رائدها، وتشجع من خلال سلوكها المتسامح والمتحضر الانسان العراقي على التخلي عن خوفه، والتطلع لمستقبل يعيش فيه حراً هو والأجيال التي تأتي بعده.
  • يجب على القوى السياسية أن تكون بالمستوى المطلوب في بث الوعي السياسي بين الناس، فتكون أدوات حضارية في غرس المواطنة لا سبيل لتمزيقها وتشويهها ونشر ثقافتها وقيمها، بما لها من تأثير كبير في تأسيس الهوية الوطنية العراقية، فضلاً عن ممارسة النخب المثقفة لدورها في نشر ثقافة اللاعنف والتسامح بين الناس، فيكون المثقف مسؤولاً تجاه شعبه لا للسلطة ومؤسساتها ولا يعني هذا عدم الاشتراك في السلطة، ولكن يعني التمسك برسالة المثقف تجاه شعبه أينما وجد.
  • إعادة الاعتبار للهوية العراقية من خلال تأكيد روح المواطنة وتغليبها على الولاءات الضيقة، والارتقاء بالوعي السياسي للفرد العراقي بشكل يقود إلى نبذ العنف و(الارهاب) وتغليب الحوار والتسامح والقبول بالحلول الوسط.
  • النهوض بالواقع الاقتصادي العراقي من خلال تطوير قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة ووضع نظام مالي صحيح يحقق توزيع عادل للثروة والتخلص من آفة البطالة الموجودة في قطاع العمل.
  • اعتماد سياسة حسن الجوار من قبل الحكومة العراقية وتطوير علاقاتها على مختلف المستويات، حيث أن كل دول الجوار تتحرك بوحي مصلحتها لا المصلحة العراقية ولن يضمن ذلك مصلحة العراق ومستقله إلا تكاتف أهله وتجمعهم خلف حكومة حقيقية منهم وإليهم.
  • ضرورة اجراء تعديل على دستور عام 2005 ليواكب الضرورات الجديدة، بما لا يترك مجال للتأويلات والتغييرات التي تقوم بها الكتل السياسية وفض الغموض من بعض نصوصه وتطبيق نصوصه بصورة واضحة وليس الالتفاف عليه.
  • الابتعاد عن فكرة المحاصصة الطائفية والسياسية والالتزام بمعايير العدل والموضوعية والكفاءة في جميع الأمور والمسائل، وضمان المشاركة العامة في عملية اتخاذ القرارات وصنع السياسة العامة ونبذ جميع سياسات الاقصاء والتهميش والتمييز والظلم والحرمان، واحترام حقوق الانسان بما يضمن للجميع حرية التعبير عن معتقداتهم وآرائهم وشعائرهم في ظل القانون.
  • التأكيد على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازن هذه السلطات والرقابة المتبادلة.
  • القضاء يعد المحور الضامن لجميع الحقوق في العراق فمن الضروري العمل على تطوير القضاء وإناطة مهمة الرقابة الدستورية لمحكمة دستورية خاصة وخضوع أعمال الدولة كافة لرقابة القضاء وعدم تسيسه وبالأخص الأعمال التي تمس حقوق المواطن.
  • التقلص التدريبي لسيطرة الحكومة المركزية بفصل آليات الديمقراطية في مجالاتها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية … الخ، والاتساع التدريجي المتزايد في المشاركة السياسية يعزز الاتجاه نحو التعددية السياسية السليمة.
  • يجب على الحكومة ان تتعاون مع مجلس النواب لوضح معايير قانونية لإعمالها وعلى الحكومات اللاحقة أن تبتعد عن المساس بحقوق المواطن العراقي ما يؤدي إلى تعزيز المواطنة الحقيقة ويدخل ضمنها معايير كبيرة أهمها إجراء انتخابات حقيقية بإشراف دولي ويكون الترشيح والتصويت للوطن.
  • يجب أن تكون الأحزاب السياسية العراقية معتمدة على شروط الحزب الديمقراطي التي تحتوي التعددية في المواقف والأفكار والتداول السلمي في قيادة الحزب، والمصداقية الداخلية، وقبول الحزب وجود غيره من الأحزاب.
  • إعادة صياغة آليات التوافقية سواء أكانت المثبتة في الدستور أم في قوانين الانتخاب أم ما ورد في العديد من الاتفاقيات التي تحكم العلاقة بين الكتل السياسية من أجل فك القيود للتوافقية ومحاولة للوصول إلى نماذج مقاربة لما هو مطبق في الدول التي نجحت فيها.
  • تشجيع منظمات المجتمع المدني على القيام بدورها كشريك ثالث في عملية بناء المواطنة والتحول الديمقراطي والاطلاع بمسؤوليتها الاجتماعية والاقتصادية وعدم السماح لأي فئة من الاندساس داخل هذه المنظمات وتسيسها خدمة لمصالحه، وتفعيل دور الراي العام وحث الناس على المشاركة في الحياة العامة.

والسؤال الذي نتركه يرسم الإجابة: هل هناك إمكانية لوجود – تشكيل – نخبة سياسية جديدة تعتمد مشروعاً سياسياً بعيداً عن نزعات الثأر والانتقام والمحاصصة والولاءات الضيقة، وبعيداً عن إقصاء الآخر وتتخذ من التوافق السياسي منطلقاً لها ومن الدستور وتصويب ثغراته أساسا وتقيم علاقات متوازنة ومتكافئة مع دول الجوار والعالم ، ويكون مضمون هذا المشروع خدمة الإنسان واحترام حقوقه وتعدديته ومشاركته وبناء دولة المؤسسات والقانون القائمة على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات.

بلا شك أن المستقبل سيجيب على هذا السؤال أو الأسئلة ولكنه باعتقادنا أفضل الحلول لبقاء العراق متماسكاً وقوياً وموحداً ومستقراً ومزدهراً، أن مضمون الجواب سيحدد مستقبل الصراع والاستقرار في العراق، وكما يقول (مارك فلورباييه) في كتابه الرأسمالية أم الديمقراطية خيار القرن الواحد والعشرين:

(إن الديمقراطية ناقصة بشكل مستمر ولا يجب إعاقة البحث عن توسيعها مطلقاً)، فالديمقراطية أفضل الحلول والديمقراطية التوافقية تقوم على الرضا لكنها لا تولده.