قانون الحشد الشعبي العراقي والموقف الأمريكي

أدى احتلال تنظيم داعش لمحافظات ومدن العراق وبسط نفوذه على مساحة واسعة وتهديد العاصمة بغداد، عوامل أدت الى اصدار فتوى للمرجع الشيعي (السيد علي السيستاني) في 13 من يونيو/ حزيران 2014 للتصدي وايقاف داعش، عبر الدعوة للتطوع للجهاد، استثمرت لتشكيل الحشد الشعبي من قبل مليشيات شيعية معروفة بولائها الإيراني وصل عددها الى(42) فصيل  تضم عدد كبير من المتطوعين من الطائفة الشيعية ، ليصبح قوة موازية للجيش العراقي أو أفضل منه بحجم كلي تجاوز (140) الف مقاتل .

وجه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم 24 شباط 2016 الوزارات ومؤسسات الدولة العراقية كافة بالتعامل مع الحشد الشعبي بوصفه هيئة رسمية ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

وحدة الدراسات والبحوث

أقر مجلس النواب العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي يوم السبت 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 وسط مقاطعة اغلب نواب السنة، الذي عدّ إقرار البرلمان قانون الحشد الشعبي “نسفا للشراكة الوطنية وكانت ابرز الامتيازات التي وردت في القانون هي:

  1. يكون الحشد الشعبي تشكيلا عسكريا مستقلا وجزءا من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائـــد العام للقوات المسلحه ويتألف من قيادة وهيئة أركان وصنوف وألوية مقاتلة.
  2. يخضع هذا التشكيل للقوانين العســكرية ماعدا شـرط العمر والشـــهادة ويتمتع منتسبوه بالحقوق من رواتب ومخصصات أسوة بالجيش.

المبررات الحكومية من تشريع قانون الحشد

توفير الحماية القانونية لفصائل وتشكيلات الحشد الشعبي التي توفر الغطاء والجواز الشرعي لتدخلهم العسكري وإضفاءا للمشروعية على ما يصدر من أفرادهم أثناء الإشتباك مع العدو في المناطق القتالية ولتنظيم أعمالهم، وجعلها تحت نظر الحكومة العراقية وللحيلولة دون السماح بإستهدافهم عاجلاً أو آجلاً بذرائع مختلفة ولتأمين أوضاعهم المالية وحقوقهم.

حقيقة الحشد الشعبي

الحشد الشعبي لم يؤسس بناءا على فتوى المرجعية الشيعية التي صدرت بتاريخ 13/6/2014 والتي أعلنت في بيان لها “الجهاد الكفائي”،  وإن تأسيسه حصل فعلياً قبل ذاك، وبالتالي التحق المتطوعون الذين استجابوا لفتوى المرجعية بالحشد بعد صدور الفتوى ولم تتحدث المرجعية ولا من يمثلها بكلمة عن الحشد الشعبي، بل جرى الحديث والتركيز على كلمة “المتطوعين” حيث أدركت المرجعية مخاطر الحشد الشعبي لأسباب ترتبط بطبيعة تكوينه وعمليات الإرهاب التي مارسها وعقيدته المتطرفة وتبنيه لولاية الفقيه الإيرانية التي هي ضد نهج الحوزة، وسبق وان عبر عنه  نوري المالكي ان الحشد الشعبي هم “أنصار الحسين”، لينتقموا من “أنصار يزيد بن معاوية”، والجامع الحقيقي للمليشيات إلى جانب المذهب الشيعي، الفقر والجهل والتعصب.

اشكال الحشد الشعبي

المجموعة الأولى التي يشكلها المتطوعون استجابة لنداء (الجهاد الكفائي) والذين لم يسبق لهم ان ساهموا في اي من التنظيمات المسلحة التابعة للأحزاب الحاكمة.

المجموعة الثانية  وهي المجموعة الكبرى التي ارتبطت تشكيلاتها وفصائلها المسلحة بتوجهات مذهبية واصطفافات دينية ، وانتماءات حزبية لقوى الإسلام السياسي، وحملت السلاح خارج نطاق المؤسسات الحكومية ومارس بعض أفرادها أعمالاً غير قانونية، لا تختلف عن اي عمل ارهابي، انعكست سلباً على الأمن العام في كثير من المحافظات العراقية، وساهمت في تعميق التمحور الطائفي ورفعت الإعلام التي تتحدث عن ثارات الحسين التي لا تعني عند  الشيعية سوى أهل السنة،  ، وشكلت هذه المليشيات القوة العسكرية الفاعلة في الحشد الشعبي وبرز قادتها بشكل واضح في ساحات القتال.”

اما المجموعة الثالثة فهي التي شملت ابناء العشائر العربية السنية الذين استجابوا لنداء الوطن وانتظموا في صفوف القوى العراقية المقاتلة في مواجهة عصابات الدولة الإسلامية.

السنة والحشد الشعبي(العشائري)

اشتركت قسم من العشائر العربية السنية في محافظات (الانبار ، الموصل ، صلاح الدين )  بفصائل صغيرة عددها ( 36) فصيل يشكلون  بضعة آلاف  وجدت نفسها مع صف الحكومة إما طمعا بمكاسب قصيرة المدى وإما رغما عنها لكي تستعيد أراضيها التي سلبتها منها داعش، ولم يتم قبولهم إلا بالشروط وبالإملاءات المليشياوية .

الموقف الامريكي من الحشد الشعبي (التصريحات )

اعربت الولايات المتحدة الأمريكية، يوم 29 ت2 2016 عن قلقها من قرار مجلس النواب العراقي دمج قوات “الحشد الشعبي” (مليشيا شيعية مولية للحكومة) ضمن القوات المسلحة.

وردا على سؤال صحفي حول إذا ما كانت واشنطن قلقة من قرار البرلمان العراقي دمج “الحشد الشعبي” في الجيش، أجاب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، جون كيربي: “نعم بالتأكيد نحن قلقون من ذلك”،
وتابع كيربي، في موجز صحفي للخارجية بالعاصمة واشنطن: “لا نريد لأي من المشاركين في هذه المعارك (ضد تنظيم داعش) أن يسعروا التوتر الطائفي من جديد، أكثر مما هو عليه أساسا، “وشدد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية على أن قرار البرلمان العراقي “هو شأن عراقي داخلي، مثل كل التشريعات الداخلية الأخرى”.

السفارة الأمريكية في بغداد رفضت التعليق على القانون الجديد، في وقت كانت واشنطن قد سعت إلى منع تقديم أي دعم للمليشيات الشيعية المسماة بالحشد الشعبي، كما أنها سعت إلى عدم تقديم أي دعم جوي لتلك المليشيات التي تشارك في معارك ضد تنظيم الدولة.

اعتبرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن إصدار قانون الحشد الشعبي بالعراق واعتباره مؤسسة عسكرية مستقلة تتبع رئيس الوزراء العراقي القائد العام للقوات، يمكن أن يعقّد التعاون العسكري بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية وشركائه الغربيين، كما أنه سيزيد من حدة التوترات الطائفية بالعراق، مشيرةً إلى أن السفارة الأمريكية ببغداد رفضت التعليق على هذا القانون الذي يشرعن وجود منظمات مدرجة على لائحة الإرهاب الأمريكية.

وعلقت صحيفة (وول ستريت جورنال) الأمريكية على قانون الحشد الشعبي ان” تمرير هذا القانون يؤدي إلى زيادة الإشراف الحكومي في الظاهر على هذه القوات، إلا أنه لا يتعامل مع هيكل قيادتها التي تلقى دعما كبيرا ونفوذا أيديولوجيا من إيران”والقانون سيضع 141 ألف مقاتل تحت القيادة الرسمية لرئيس الوزراء العراقي ويتيح لهم نفس حقوق ومزايا قوات الأمن النظامية، ولم يوضح القانون كيف ستتمكن القيادة العراقية من فك ارتباط وحدات التعبئة الشيعية بمؤيديهم الأيديولوجيين”حسب تعبيرها.

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون في 3 اغسطس 2016 أنها لن تدعم قوات الحشد الشعبي في عمليات تحرير مدينة الموصل العراقية من تنظيم داعش الإرهابي، وأجاب المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية “جيف ديفيس” في معرض رده على سؤال صحفي حول إذا ما كان الجيش الأمريكي سيدعم قوات الحشد الشعبي في معارك تحرير الموصل بـ “كلا”. وقال بالرغم من أن هذه القوات تحت سيطرة بغداد إلا أن القوات الأمريكية لا تدعمها.

حقيقة الموقف الامريكي (الافعال)

لم يسجل موقف رفض واضح للأمريكان حول قانون الحشد الشعبي، بل العكس هناك رعاية امريكية لهذا التوجه ففي 12مارس 2016 قام القنصل الامريكي في البصرة ( ستيف ووكر) بزيارة جرحى مليشا الحشد في مستشفى الصدر بالمدينة، وأكد أمام الصحافة أن حكومة بلاده تشيد بما قدمه الحشد الشعبي من دور في تطهير المدن العراقية من تنظيم داعش والحكومة الامريكية لاتضع فيتو على مشاركة الحشد في تحرير الموصل.[1]

والدليل الاهم ما كشفته صحيفة لوس انجليز تايمز الامريكية في سابقة خطيرة تفضح التحالف الكامل بين إدارة أوباما وإيران في العراق عن بدء تدريب القوات الأمريكية الخاصة لمليشيات الحشد الشــعبي ومـن بين هــــذه الميلشـيات منظمةُ “بدر” وبعـد تمرير قانون دمج مليشيات الحشـــد الشـعبي مع قوات الجيــش العراقـــي فـــي مجلس النواب العراقي، بدأت الولايــات المتحدة الأمريكـية يـوم 4 ديسمبر 2016 بتدريب وتســليح (500) من مقاتلي المليشيات بينهم عدد قليل من متطوعي السنة ، واكد المســتشار الـسياسي لمليشيا بــدر ان قـــادة المليشيا وافقوا على ارسال (900) متدرب جديد ، وهو ما يعني أن قانون دمــج المليشيا بالجيش صدر بتوافق أمريكي إيراني عالي يمثل مستوى جديد من التعاون.

عاصر الامريكان جميع الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها المليشيات الشيعية ضد مكونات المجتمع الاخرى ووثقتها في المواقف اليومية كعمليات موجهة  ضد السنة على مدى اكثر من عشر سنوات،  واخرها الانتهاكات الخطيرة خلال عمليات تحرير مدن ( الفلوجه ، الرمادي ، تكريت )  من تعذيب وقتل  وحرق دور وسرقة ممتلكات وتهجير قسري وأذلال بحق اهل السنة باعتراف زعيم التيار الصدري بوقوعها، وقد جرت اغلب تلك الانتهاكات امام انظار القوات الامريكية وبإسناد قواتها الجوية خلال المعارك ضد داعش ، بل وباستخدام الاسلحة الامريكية التي استلموها من وزارة الدفاع العراقية، في حين وصفتها منظمة هيومن رايس وتش في تقاريرها انها انتهاكات ترقى الى جرائم الحرب، وتزخر مواقع التواصل بمئات المقاطع الفديو والصور التي توثق تلك الجرائم.

والاهم ان الامريكان لديهم من الوثائق والادلة على ان غالبية المليشيات ترتبط مباشرة بايران (تنظيميا وتسليحا وتدريبا ) وعلى وجه الخصوص المليشيات الرئيسية ( عصائب اهل الحق ، مليشيا بدر ، كتائب حزب الله)  وتعمل وفق التصورات الايدلوجية  الايرانية ، وان عملية اقرار هذا القانون  جاء كخطوة استباقية ايرانية لقيام حرس ثوري شيعي في العراق تحت غطاء قانوني، ليكون ورقه ضغط  جديدة في العراق قبل تسلم ترامب السلطه رسميا ، وان انتهاء معركة الموصل سيؤدي الى انتهاء الحشد الشعبي لانه جاء في ظرف استثنائي ويجب ان ينتهي بزواله.

اذن الامريكان لم يعارضوا وجود المليشيات ولا انتهاكاتها الخطيرة ولا تاثيرها الحالي والمستقبلي على بنية الدولة العراقية بفعل اسباب عديدة:

– اتخاذ مبررات اقرار القانون على انه شأن داخلي ولا يتدخل بسيادة العراق.

– تفاهمات أمريكية – ايرانية على استمرار النفوذ الايراني يبدو انها اتخذت خلال المفاوضات النووية.

– المشروع الامريكي خلال حكم الرئيس اوباما يقضى باستمرار الفوضى في العراق واحد اهم ادواته وجود الحشد الشعبي تمهيدا لتقسيمه.

– استمرار الدعم الامريكي للحكومة واحزابها الإسلامية الشيعية.

التوقعات

بداءت الحكومة العراقية بمحاولات التنكر من وجود مليشيات لها تقاتل في سوريا بعد انتهاء معركة حلب، ومطالبة الروس بإجلاء كافة المليشيات المرتبطة بايران منها مقابل صفقة خروج فصائل الجيش الحر ، وما سيترتب عليها من تبعات قانونية نتيجة الانتهاكات المسجلة ضدها ، حيث سارع العبادي لارسال مسؤول هيئة الحشد ( السيد فالح الفياض) الى روسيا للتفاوض بشانها.

لانتوقع ان تستمر الحكومة الامريكية بدعم وجود مليشيا الحشد بعد تسلم ترامب السلطة بشكل رسمي، حيث ستتغير اولويات السياسة الامريكية تجاه الوضع بالعراق استنادا الى تصريحات منظومة الحكم الجديدة للرئيس الامريكي الجديد.

الايرانيون استخدموا ورقة الحشد بفعل نفوذهم القوي على الحكومة واحزابها الشيعية لاقرار هذا القانون، ليكون أحد ادواتها المطروحة للتفاوض بشأن الملفات الاخرى لاسيما منها النووي.

[1] http://www.alhurra.com\content\iraq-\297923.htm1