عالم الجنوب واهداف التنمية المستدامة لعام 2017

كم هو سيء حظ الشعوب التي تقطن جنوب الكرة الارضية، فالثروات متراكمة  تحت ارجلها، لكن الغرب وحده القادر على استثمارها .

منذ ان اشتعلت الثورة العلمية والفلسفية في عصر النهضة، عندما تم الخروج على البابا والكفر بسطوته وتدخلاته هو والكنيسة في كل مجالات الحياة، والغرب يحتل الصدارة في قيادة سكان الكرة الارضية . فعلى يده تشكلت الدول القومية الحديثة، وبأقلام كتابه ومفكريه وضعت اللبنات الاولى للعلوم الحديثة، وملأت مصانعه العالم بالأدوات والمعدات والاجهزة، اي، بمعنى اخر، صار يقود الثورة الزراعية والصناعية والإلكترونية منذ عدة قرون .

وعلى الطرف الثاني من الكرة الارضية، اي في جنوبها، توجد منطقة غنية بالثروات والخيرات، معادن ومناخ معتدل، وكثافة سكانية وعمق حضاري يفوق ما يمتلكه الغرب، الا ان هذه المنطقة تعد من افقر بقاع الارض واكثرها تخلفا. وللغرب يعود الفضل في تشكيل دولها وفي نقل العلم والمعرفة والتقنية اليها و محاولة وضعها على طريق التقدم والازدهار .

الكلام اعلاه، حتما لن يعجب ولن يرضي الكثير من اولئك الذين يعتزون بحضارتهم وماضيهم المجيد، ويعتبرون الثناء على الثورة العلمية التي قادها الغرب شيء من بخس تراث الاجداد العظام، على اعتبار ان الثورة الغربية هي تحصيل حاصل لجهد الانسان في كل مكان، وفيها اسهامات للإنسان العراقي والعربي والتركي والفارسي، وغيرهم، ولكن ثمارها قد اينعت في الغرب لظروف معينة، وذبلت ازهارها ولم تثمر في الجنوب لأسباب معينة ايضا.

حتى لو كان رأي المدافعين عن حضاراتهم وشعوبهم على حق، لكن هناك واقع يفرض نفسه ، فالغرب متقدم والجنوب غير متقدم، الغرب ينتج والجنوب يستهلك، الغرب يضع النظريات والجنوب يطبق.

اما عن اهداف التنمية المستدامة، التي اعتمدها قادة العالم، في هذا العام، والمتمثلة بـــــــــ : القضاء على : الجوع والفقر، وتوفير تعليم جيد وصحة جيدة ومياه نظيفة، وطاقة ممتازة، وحياة للمخلوقات فوق الارض وفي الماء، وحماية المناخ من التلوث، ومساواة بين الجنسين، والاستهلاك المسؤول وعدم هدر الثروات، ودعم التنمية والازدهار، والشراكة في العمل. فمن الواضح ان الاهداف اعلاه كلها تتحدث عن مشاكل وازمات دول الجنوب، ولا توجد واحدة من بينها في دول الغرب، لأن الاخير قد تجاوزها وصارت خلفه، وبدأ يفكر في عالم الرفاهية والبحث عن الامور الجديدة والعجيبة ، مثل السفر عبر الزمن، او الاستثمار في الكواكب الاخرى، وغيرها .

واذا اردنا ان نبحث عن اسباب تفسر هذا التفاوت العجيب بين المنطقتين، فأننا سنجد بأن البعض من سكان هذه المنطقة التي تعاني من مشاكل وازمات كبيرة، يؤمنون بنظرية المؤامرة، التي تقول بأن الغرب قد سبقها في لحظة من اللحظات وبدلا من ان يمد يده اليها كي تخرج من بئر التخلف الى حافة التقدم والازدهار، فعل العكس، اي عمل على تعميق قعر البئر بحيث لن تخرجه منه ابدا. وجعلها مخزن يسحب منها الثروات والخيرات ويمول بها صناعته وتقدمه.

ربما ان هذا الرأي فيه شيء من الصحة، لكنه غير دقيق وغير علمي، فهل الشعوب في الجنوب عاجزة عن تحافظ او تستثمر خيراتها؟ لماذا لا تقوم هي بالثورة العلمية والتقنية؟ لماذا لا تحل مشاكلها وتنهض مثل الغرب ؟

اما الرأي الاكثر صوابا والذي يفسر المعادلة التي تسري على سكان الارض، ان الجنوب متأخر والغرب متقدم، فهي تتمثل في طبيعة تفكير الانسان الغربي الذي ينظر الى الامام فقط، وطبيعة تفكير الانسان في عالم الجنوب الذي يعيش على الماضي ويحلم بالعودة اليه على انه ماضي مجيد وعظيم، فيعيش مشاكله ويجترها ويقتل نفسه والاخرين دفاعا عنه، فيبقى في مكانه، بل ويتراجع الى الزمان الذي يشغله .

ومهما كانت الاسباب، ومهما دافع من دافع عن عالم الجنوب، وانتقد من انتقد، سيبقى هناك سؤال مهم يجب الاجابة عليه في المرحلة القادمة، يتمثل في : ماهي الاستراتيجيات، او الاليات التي ينبغي ان يعمل بها سكان هذا عالم الجنوب، كي يلحقوا بعجلة التقدم الغربية؟

ان الاجابات عن السؤال اعلاه، كثيرة ومتعددة، لكن لعلها تكمن في الآتي:

اولا التصالح مع الذات، بمعنى ان تعمل دول الجنوب على تناسي او حل مشاكلها الداخلية، فمن المعروف ان الصراع الديني والمذهبي وهو صراع مجتر من التاريخ، لا زال ينهش بأبناء شعوب الجنوب ويستنزف طاقاتهم وخيراتهم ومقدراتهم، ويتيح للدول المتقدمة التدخل السبي فيها.

ثانيا التصالح مع الغرب، لا يمكن لأي انسان منصف ان ينكر فضل الغرب على شعوب الجنوب، فقد اسس لها دولها القائمة الى يومنا الحاضر، وادخل اليها براهين ودلائل الحياة الحديثة والمعاصرة، على الاخص الجانب العلمي والتقني.

وفي الوقت عينه الغرب هو ليس جمعية خيرية، بل هي دول تبحث عن مصالح شعوبها، هذه الحقيقة لا يفهمها الكثير ممن يقدسون نظرية المؤامرة، ويريدون من الغرب ان يكون مثاليا الى الحد الذي يعطي، ولا يأخذ، وهذا امرا مستحيلا وغير انساني، بل لابد لشعوب الجنوب ان تتعاون مع الغرب ويتصالح معه، ويضمن له مصالحه، مقابل نقل تجاربه الناجحة اليها، ومساعدتها في التغلب على ظروفها ومشاكلها .

ثالثا ثورة العقل، وهنا يقع على عاتق النخب المثقفة في دول الجنوب مسؤولية اعادة برمجة عقول الاجيال القادمة، عبر لفت نظرها الى المستقبل، وترك التاريخ على الاخص الجانب المختلف عليه جانبا، والبحث عن حلول خلابة وخلاقة للنهوض والتقدم والازدهار.

اذن، عالم الجنوب مطالب بالبحث عن اسباب تأخره، التي بمعرفتها ومناقشتها ستقود في النهاية الى وضع جملة من الاليات، عساها ان تساعد اجياله القادمة باللحاق في ركب الدول المتقدمة، او على الاقل تحقيق الاستقرار في بعض جوانب الحياة .