بوادر حل الأزمة الليبية في إطار المبادرة الفرنسية الأخيرة

بعد أن اغتيل السفير الأمريكي في مدينة بنغازي في عام ٢٠١٢، لوحظ تعاظم للدور الفرنسي في ليبيا؛ مما أثار شكوك بعض المحللين والمتابعين، حتى ذهبوا إلى قراءة حادثة الاغتيال في إطار صراع فرنسي – أمريكي على الساحة الليبية، وأن المخابرات الفرنسية لعبة دورًا بارزًا في عملية الاغتيال، وبالطبع الدور الفرنسي الزائد في ليبيا يرجع سببه الى انشغال الولايات المتحدة الامريكية بقضايا دولية وإقليمية أخرى، على سبيل المثال القضية السورية، وقضية الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط.

وبالتاكيد فان اهتمام فرنسا بليبيا أتي في سياق استراتيجية فرنسية عامة، حيث من خلالها تولي القارة السمراء اهتمامًا كبيرًا، وذلك بحكم التنافس الحاصل بينها وبين القوى العظمى، وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية والصين، اللتان تسعيان إلى تقوية نفوذهما في مناطق النفوذ الفرنسي، أي مناطق الساحل الأفريقي وشمال القارة.

وتاسيسًا على ما سبق، من الجائز القول أن فرنسا تحاول أن تقوي نفوذها المهدد، من قبل بعض الفاعلين الدوليين والإقليميين السابق ذكرهم في القارة الأفريقية، وزيارة إيمانويل ماكرون بعد تنصيبه رئيسا لفرنسا للقارة الأفريقية تدعم هذه القراءة، حيث كانت أول زيارة خارجية له، خارج الاتحاد الأوروبي، هي دول غرب أفريقيا، وهذا إن دل فإنما يدل على السعي الفرنسي الحثيث إلى تعزيز الوجود السياسي والعسكري هناك، وذلك من خلال لعب دور فاعل في قضايا وملفات القارة الساخنة، والقضية الليبية خير مثال لذلك.

وعلاوةً على ما تقدم فإن التحرك الفرنسي الأخير في الملف الليبي، تتبطنه دوافع وأهداف وخطط كثيرة، منها الالتزام الفرنسي بحماية الأمن القومي الأوروبي، إذ ترى القيادة الفرنسية في حالة عدم الاستقرار في ليبيا، لها تداعيات على الأوضاع في دول الاتحاد، من أبرزها تدفق اللاجئين والإرهابين إليها، بجانب خلق حالة من عدم التوافق السياسي، بين دول الاعضاء في الاتحاد الأوروبي، كما حصل سابقًا في قضية تدفق اللاجيين السوريين إلى أوروبا.

ومن أجل إيجاد حل للقضية اللييبية، نرى أن القيادة الفرنسية ساعية بشكل حثيث، حيث جمعت الثلاثاء الماضي في العاصمة باريس أطراف الأزمة، كل من رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، وقائد الجيش الليبي خليفة حفتر، ورئيس البرلمان عقيلة صالح عيسى، ورئيس مجلس الدولة خالد المشري، فضلًا عن مشاركة رئيس الكونغو دنيس ساسو نغيسو بوصفه رئيسًا للجنة العليا للاتحاد الأفريقي حول ليبيا، إضافة إلى رئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة، المكلف بالإشراف على العملية.

وحسب تصريحات القيادة الفرنسية أن الهدف من هذا الاجتماع هو توفير الظروف الملائمة للخروج من الأزمة، وتوحيد القوات المسلحة، بجانب إجراء انتخابات عامة تاسس لمرحلة سياسية جديدة، وفعلًا حقق هذا الاجتماع اختراقًا حقيقيًا، حيث تمخض عنه إتفاق الأطراف على إجراء إنتخابات رئاسية تشريعية في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) القادم.

أيضًا التوافق التي خرج به المجتمعون، بعث روح التفاؤل في الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في الملف الليبي، حتى أدى إلى ترحيب دول واسع، على سبيل المثال صرح الرئيس الفرنسي، إنّ الاتفاق يمثّل خطوة رئيسة نحو المصالحة، وبدوره قال مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة بعد المباحثات: أنا متفائل.

ولكن السؤال المطروح هنا، هل المبادرة الفرنسية، ودعم بعض الدول العربية، كالإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومصر، بجانب تفائل المجتمع الدولي يمثل حلًا ناجعًا، للأزمة الليبية؟ في ظل هذا الوضع الداخلي، والإقليمي والدولي المعقد.

في البداية علينا تحديد أسباب التأزم الحاصل في المشهد السياسي، والأمني الليبي، ومن هنا يجوز القول إن سبب تأزم الأوضاع في ليبيا، هو تشنج الأطراف السياسية الداخلية في مواقفها، وعدم التنازل عن سقف المطالب المرتفع، حتى دفع الفرنسين إلى الدخول على الخط، من أجل حث الأطراف إلى الجلوس حول الطاولة، بعد أن عجز كل الأطراف عن اللقاء داخل الوطن، وبالرغم من الدعوات المتكررة الموجه للأطراف، مع فشل المبعوث الأممي غسان سلامة في تقريب وجهات النظر، وهذا ما يدفعنا الى القول بأن السبب الرئيس في الصراع الليبي هو تقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية، ما جعل ليبيا ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية، والاطراف الليبية عبارة عن ادوات مستخدمة في هذا الصراع.

أما بالنسبة لجدوى المساعي الفرنسية في إنهاء الصراع في ليبيا، بجمعها الأطراف الرئيسة في الصراع، فيمكن اعتبار هذه المساعي خطوة إيجابية نحو عملية إيجاد الحلول، ولكن إثمار هذه المساعي يتطلب وقفة، وخصوصًا أن فرنسا لم تُشرك في مساعيها الفاعلين في الساحة الليبية، على سبيل المثال إيطاليا التي تعتبر ليبيا ساحة نفوذها الخالصة، لم نشهد لها أي حضور في هذه المبادرة، وهذا ما سيتسبب في خلاف داخل البيت الأوروبي؛ ما قد يفاقم الأزمة الليبية، فضلًا عن الفاعلين الدوليين والإقليميين الآخرين.