الولايات المتحدة والفوضى الخلاقة

FILE - In this Sept. 22, 2017 file photo, President Donald Trump speaks at a campaign rally in support of Sen. Luther Strange, in Huntsville, Ala. Asia is getting used to living with Trump’s broadsides, though it can’t shrug them off completely. Many people are unnerved, but not panicked, by his latest exchange of threats with North Korean leader Kim Jong Un. The U.S. president dialed up the rhetoric at the United Nations, saying his country would have “to totally destroy North Korea” if forced to defend itself or its allies. (AP Photo/Brynn Anderson, File)

 بالرغم من الثبات النسبي لبعض قواعد العمل السياسي، سواء على الصعيد الداخلي او الخارجي، الا ان الدول المتقدمة تميل نحو التغيير في وسائلها وادواتها السياسية، بحسب متطلبات الزمان والمكان، وبحسب تعاقب الاجيال السياسية فيها.

ربما ان الكلام اعلاه هو اكثر انسجاما مع السياسة الامريكية العالمية، فهذه الدولة هي ليست كالإمبراطوريات السابقة، التي تقضي حياتها متمسكة بمبدأ ومنهج معين، فتتغير الظروف من حولها وتصبح شاذة وقديمة وتنهار على العجل، على العكس من ذلك فالولايات المتحدة في تجدد وتفاعل مستمر، ولعل هذا هو السبب في بقائها متربعة على عرش القطبية الاحادية. وفي هذا الصدد يقول المفكر الامريكي برجينسكي : ان احد عوامل قوة الولايات المتحدة الامريكية، هو وجود كم هائل من الجامعات ومراكز الابحاث التي تزود صانع القرار فيها بالنظريات السياسية الجديدة، التي تعين امريكا على ادارة شؤونها الداخلية، وادارة العالم ايضا .

ومن بين النظريات السياسية التي استخدمتها ولا زالت تستخدمها الولايات المتحدة الامريكية ، هو ما يعرف بنظرية ( الفوضى الخلاقة )، هذه النظرية، من الممكن اعتبارها نظرية هدم وبناء في نفس الوقت، هدم تماسك شعب من الشعوب، عبر زرع الفتنة والخراب بين مكوناته، والاكتفاء بالتفرج والمراقبة عن كثب، ثم الانتظار لفترة من الزمن حتى يأخذ كل مكون مكانه في داخل البلد، ثم تأتي الولايات المتحدة لتتعامل مع الواقع الجديد، ومع الطرف الذي تمكن من البقاء حيا وتعتبره حلفا لها. لكن لكي نخلص من نظرية المؤامرة وسلبياتها على العقل الانساني، نقول ليس من الضروري ان يكون الفعل مقصود، وبصورة ادق، من الممكن ان تساهم الولايات المتحدة في اذكاء الفوضى عبر تجاهل غليان الاحداث وعدم الاسراع الى معالجتها، وانتظار النتائج لكي تتعامل معها، وطبعا تفاعل الاحداث حتما سيكون على حساب الشعوب واراوح ابنائها ومصالحها واموالها .

هذه النظرية، جربتها امريكا في العراق بعد عام 2003، عندما احترق الاخضر واليابس في البلاد . وطبقت في سوريا واليمن ايضا . وليس من الضروري ان تكون كل الأمور مسيطر عليها، لكن النتائج تصب في الغالب الاعم في صالحها ، واحيانا تكون الفوضى الخلاقة ناجمة عن غياب الرؤية وفلاتان الامور، فتضطر الدولة الاعظم (امريكا) ان تُدخل المنطقة في المحرقة لعلها تنتج حلا يتوافق مع مصالحها ، او على الاقل ان تتعب الاطراف المتصارعة والمتحاربة فتهرول الى البيت الابيض طالبة الحلول ، وهي تعرف جيدا ان البيت الابيض هو احد اطراف المشكلة، لكن القتل والدمار يدفعها الى تناسي كل شيء من اجل الوصول الى حلول، حتى لو كانت مؤقتة وترقيعية وقد تزيد الأمور سوءا .

الحكام العرب، يعرفون نظرية الفوضى الخلاقة جيدا، كونهم المعنين بها بشكل اساسي، لكنهم لا يتعظون منها، بل يسهلون عملية تطبيقها ، لكن خوفهم من بعضهم البعض، وعدم الثبات واليقين الذي يعانون منه، والتعلق بحبل الأمل الذي يتوهمون فيه، بأن بعضهم سيكون في مأمن اكثر من غيره، يجعلهم يغضون الطرف ويصبرون عسا ان يكونون خارج الطبخة الامريكية الكبرى .

والا لو سألنا انفسنا عن جدوى المجازر التي تجري في سوريا واليمن منذ عدة سنوات، لكانت الاجابة ان الامور في فوضى عارمة، دماء تسيل وحرمات تنتهك وشعوب تظلم، وبنى تحتية وفوقية تنهار وتتهدم ، دون ان تكون هناك بارقة امل حقيقية لنهاية المأساة.

المشكلة الاكبر ان الشعوب العربية هي الاخرى، مثل الانظمة، تعرف وتقع في الخطأ ، انقسمت على نفسها الى قوميات واديان ومذاهب، وعشائر، يأكل القوي فيهم الضعيف، ويتنابزون بالتاريخ وعلله، فيفقدون الحاضر وسيضيعون المستقبل . والا لو كانت الشعوب على درجة كبيرة من الوعي، لما تقاتلت فيما بينها، حتى لو ارادت التغيير السياسي، فبيت النظام واضح وبيت الشعب واضح ايضا ، كان ينبغي ان تكون حركات التغيير موجهة الى الحكام وليس الى الشعوب ، لكنها الايادي الخفية التي تريدها فوضى عارمة، وعندما تنضج الوجبة الدسمة تأتي امريكا لتتناولها.

بقي ان نذكر ان الفوضى الخلاقة، لا يمكن ان تتم من غير وجود تعاون من قبل بعض الجهات المستفيدة من الولايات المتحدة، التي قد تكون انظمة سياسية تريد البقاء، او اجهزة مخابراتية اقليمية وعالمية، واحيانا يكون الجهل وعدم الوعي لدى الشعوب، هو السبب الاول في انجاحها .

لكن حتى لو حققت هذه الوسيلة ( اي الفوضى الخلاقة ) ، البعض من اهدافها، الا انها لا يمكن ان تستمر الى الابد، بالأخص بعد ان انكشف اوراقها، وقد تظهر وسائل اخرى اكثر تدميرا، واقل تكلفة بالنسبة للولايات المتحدة .

لعل منطقة الشرق الاوسط التي صارت منذ ازمنة بعيدة حقلا للتجارب ولتطبيق النظريات العالمية، مطالبة بأن تتعاون فيما بينها للوقوف بوجه السياسات الامريكية ، ومن الوسائل التي يمكن ان تلجأ اليها، الاتي :

1 – الاتفاق على فهم السياسة الامريكية :

لابد ان يكون هناك اتفاق بين دول الشرق الاوسط، على ان الولايات المتحدة لا تسعى لشرق اوسط مستقر، بل هي تستفاد اكثر من ارباك اوضاع الدول وزعزعة استقرارها .

2 – البحث عن اليات للرد :

قد يكون التوجه نحو تأييد قطب دولي صاعد، واستجلابه الى المنطقة عبر اغرائه بالنفط والغاز وبقية المصالح، وجعله المصد والحامي للشرق الاوسط، ولعل روسيا هي الاقرب الى ذلك .

3 – الكل ضد الواحد :

ان تتفق دول الشرق الاوسط حتى لو بشكل خفي، على ان لا تسمح للولايات المتحدة بالتدخل في شؤون اي دولة شرق اوسطية، وفي حال حدث، هذا فأن كل دول الشرق الاوسط تقف معها لحين عبور الازمة .

اما في حال عدم قيام دول الشرق الاوسط، بأي فعل مضاد، فستستمر الولايات المتحدة بتطبيق كل ما تتوصل اليه من النظريات السياسية الى الابد.