المشهدان الرئيسان للتوازنات الاستراتيجية في آسيا الباسفيك

يتسم النظام الدولي بالديناميكية والحركية والتفاعل المستمر، ويشهد بين مدة وأخرى تغييرات على مستوى الفاعليين الرئيسيين – الدول – فيه ما بين صعود وهبوط حالهم في ذلك حالة الدورة الإنسانية – ضعف قوة ضعف – ونحن اليوم امام تحولات لصعود قوى كانت في الماضي امبراطوريات تحاول استعادة مكانتها التي فقدتها سابقاً في منطقة مهمة وذات ثقل اقتصادي عسكري بشري مثل آسيا الباسفيك – الدول المطلة على المحيط الهادئ، فكل دولة  تسعى الى ابراز دورها وتعظيم مكانتها لابد من ترجمة مقومات تلك القوة للوصول الى التوازن الاستراتيجي مع القوى الأخرى، وفقاً لمصالحها القومية العليا لمنع استئثار قوة واحدة على منطقة جيوستراتيجية مهمة في النظام الدولي كآسيا الباسفيك:

  • نظرا للانتقال التدريجي للقوة من الغرب الى الشرق.
  • ووجود القوى النووية فيها.

فهذين العاملين يعدان من اهم معالم المشهد الاستراتيجي الآسيوي في القرن الحادي والعشرين. وهذه القوى تجمع بين الاقناع والاكراه – الناعم والصلب – ذلك لان القدرة على السيطرة في صراع ما والتغلب على العوائق يتطلب تحويل عناصر قوتها من كامنة الى فعلية، لتثبيت هيمنتها على المحيط الإقليمي، وفي الوقت نفسه تعمل من اجل منع قوى أخرى تهيمن على الميزان الاستراتيجي، فهناك علاقة وطيدة بين القوة الكامنة – الاقتصادية والعسكرية – لان احداهما يغذي الاخر التي تستند الى الحجم البشري للدولة مع تقدمها التكنولوجي، ما يدفع القوى الأخرى ان تراقب عن كثب هذه القوة الكامنة لأنها تقرر التوازن الاستراتيجي في المستقبل.

ونتيجة النمو الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي والسياسي وتقبل دول الإقليم للقوى الجديدة ظهرت ( الصين ، روسيا الاتحادية، اليابان، الهند، استراليا، كوريا الجنوبية ) على المسرح الإقليمي الآسيوي بعد تزايد التحديات الإقليمية والعالمية والترهل الذي أصاب  الولايات المتحدة الامريكية على حلها وعدم القدرة لقيادة النظام الإقليمي والدولي بمفردها كما كان سابقاً خلال العقد الذي تلا انتهاء الحرب الباردة، وان كان في الوقت الراهن لاتزال تملك مقومات أداء الضابط الاستراتيجي الا انها لا تستطيع مجابهتها لوحدها، وعندما نتحدث عن توازن استراتيجي يقودنا ذلك الى الحديث عن القطبية المتعددة – قطبية متعددة في طور التشكيل – فتعمل القوى الآسيوية الكبرى على ضبط السلوك وتحقيق التوازنات الاستراتيجية لمنع احتواء قوى واحدة بقية القوى الأخرى، وهذا يقودنا الى ظهور مشهدين للتوازن الاستراتيجي فيها هما :

 الأولالتوازن الاستراتيجي المتعدد الأطراف

1-مشاكل حدودية.

2-ادعاءات سيادية.

3-ثروات نفطية وبحرية.

4-قوى عسكرية كبرى.

5-قوى صغيرة صاعدة.

6-منظومات أمنية واقتصادية.

7-سباق تسلح.

نتيجة لهذا الأسباب السالفة الذكر وعدم قبول القوى ذات المكانة الإقليمية التي تهيمن على إقليم آسيا الباسفيك من وجهة نظرها العمل تحت مظلة الولايات المتحدة الامريكية وكأنها القائد الذي يتحكم في مصير الدول، بل عليها ان تقبل بالشراكة في إدارة التفاعلات الإقليمية والاعتراف بمصالح هذه القوى، مع اخذ كل القوى المتواجدة  في آسيا الباسفيك بنظر الاعتبار النتائج غير الإيجابية المدمرة في حالة حدوث صِدام بينها فمن المصلحة العليا لها هو القبول بالتوازن الاستراتيجي المتعدد الأطراف، من خلال بناء نظام امني اقتصادي إقليمي يقوم بإجراءات بناء الثقة والاحترام على المستوى الإقليمي يكون عاملاً في الحفاظ على التوازن الاستراتيجي، من خلال احتواء كل القوى فيه :

  • التكامل مع الصين وعدم التخوف منها.
  • جعل اليابان دولة طبيعية أكثر تكييفاً مع دول الإقليم.
  • استمرارية دور الولايات المتحدة الامريكية.
  • السماح لروسيا الاتحادية تأدية دور تعاوني مع القوى الرئيسة وعدم جعلها دولة منبوذة ما يقودها الى استخدام القوة الصلبة لاستعادة مكانتها.
  • سماع أصوات القوى الصاعدة.

الثاني: التوازن الاستراتيجي المحوري.

نتيجة لوجود عوائق تحقيق التوازن الاستراتيجي المتعدد الأطراف نظراً لطبيعة القوى التي تنظر بعين الشك والريبة من الاستراتيجيات المتبعة لاحتواء بعضها البعض لاسيما الاحتواء الذي تمارسه الولايات المتحدة الامريكية تجاه الصين وروسيا الاتحادية من خلال تحالفاتها مع القوى الاسيوية ( اليابان – كوريا الجنوبية – استراليا – تايوان )، وفي سعيها لاستقطاب الهند وهذه الدول الليبرالية لا ترى في الولايات المتحدة الامريكية تهديداً ما يجعلها تنخرط في هذا المحور، لأنها تنظر الى تعاظم الأدوار الأمنية والاقتصادية للمحور الثاني الذي يضم الصين وروسيا الاتحادية ودعمهما لدولة محور الشر ( كوريا الشمالية ) حسب تصنيف الولايات المتحدة الامريكية، والهيمنة الإقليمية التي تمارسها الصين استناداً الى الدعم الروسي لها صحيح ان ذلك يضر الأخيرة، الا اذا تم الحفاظ على المصالح القومية الروسية.

فالدولتان تعملان على إنهاء هيمنة الولايات المتحدة الامريكية بتجلياتها الاقتصادية والسياسية والأمنية الاقليمية التي صيغت في صورة المصالح الغربية، هو إقامة نظام عالمي تعددي بمواصفات ثلاث: حماية السيادة الوطنية، منع توظيف المنظمات الإقليمية والدولية في الشؤون الداخلية لحساب دولة أو مجموعة دول، واستقلالية كل بلد باختيار نموذج التنمية الوطنية، وتأمين عملية الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب وتخفيض تكاليفها، بمعنى العمل على تحقيق الانتقال سلمياً وتجنب اندلاع مواجهة عسكرية عالمية بين قوى العالم القديم والقوى الصاعدة/العائدة ومحاصرة التوترات في مناطق الانفجار عبر تغليب منطق الحلول السياسية السلمية، في سياق سعي واشنطن إلى رفع منسوب التوتر العسكري حول العالم عبر تحريك وتفعيل التناقضات القومية والدينية والطائفية في المناطق الحساسة بالنسبة للقوى الصاعدة ومحاولة جرها الى المستنقعات عسكرية تستهلكها.

نلاحظ ان القوى المتواجدة في آسيا الباسفيك تسير حاليا باتجاه المحورين في الوقت الراهن فهي بالعلن تحبذ القيادة الجماعية والتعددية لإقليم آسيا الباسفيك، وفي الباطن تعمل على تقوية التحالفات الاستراتيجية التي تقود الى تشكيل المحاور الاستراتيجية للحفاظ على التوازن الاستراتيجي في المنطقة وعدم ميله الى احد المحاور دون الاخر.