المؤشرات النفسية والسياسية لرئيس البرلمان العراقي الجديد محمد الحلبوسي

صحيح ان رئيس البرلمان في كل الدول التي تجعل من الديمقراطية اسلوبا لها في الحكم، يكمن دوره في تنظيم عمل البرلمان، وادارة جلساته، اي القيام بمهمات تنظيمية . لكن هذا الأمر يختلف من دولة الى اخرى، ومن رئيس برلمان الى اخر، ففي الدول غير المتقدمة يلعب رئيس البرلمان دورا اساسيا، وقد يكون بعيدا عن دوره التنظيمي المعتاد ، ويصل الامر الى ان يقوم بأدوار تنفيذية – سياسية كبرى ، لكن هذا يتوقف على شخصية رئيس البرلمان، وقدراته وذكائه وحنكته السياسية .

اذا اردنا ان نطبق الكلام اعلاه على شخصية رئيس البرلمان العراقي الجديد (محمد الحلبوسي) ، فسنجد بأن هذا الرجل أمامه فرصة كبيرة، للعب ادوار سياسية مهمة، تفوق ما هو متعارف عليه بالنسبة لمن يشغل منصب رئيس البرلمان . ولكي نتعرف على مدى قدرة الرجل على ان يكون اكبر من المنصب المقيد، فلابد ان نخضعه للتحليل النفسي والسياسي، وكما يأتي:

  • التحليل النفسي :

أ – الجانب المادي في شخصية الحلبوسي :

الحلبوسي في مقتبل الشباب، ويتمتع بمظهر مقبول . هذا المظهر الشبابي والحيوي، بإمكانه ان يوظفه لتحقيق غاياته السياسية، فللشكل الخارجي اثر كبير في التأثير بمزاجيات الاطراف الاخرى . سواء بالتأثير على عامة الشعب في سبيل كسب اصواتهم في الانتخابات ، او في كسب دعمهم وتأييدهم لأدائه السياسي . وكذلك الحال بالتأثير في النخبة السياسية التي يتعامل معها، فعلم النفس السياسي يعطي للمظهر الخارجي دور في فن التفاوض والاقناع . وبالمقارنة مع من سبقه ممن تولوا قيادة البرلمان فهو الاصغر عمرا والاكثر جاذبية .

ب –  الجانب المعنوي في شخصية الحلبوسي :

ان الشهادة الجامعية تعطي الحلبوسي ثقة بالنفس، فضلا عن ان تجربة العمل السياسي التي خاضها كمحافظ للأنبار وهي المدينة التي خرجت توا من الحرب، قد اثبتت بأنه يتمتع بشخصية متزنة تعرف ماذا تريد .

كما انه ليس شخصا عابرا وصل السلطة بالمصادفة، بل لديه اهداف وغايات سياسية، وهذا الأمر يعتبر ضروريا لكل سياسي في العالم ، اذ ان علو الهمة والعزيمة لا تأتي الا اذا كان للإنسان طموح وكان يعرف الى اين يريد ان يصل .

وفي الوقت عينه لم تضعف الاتهامات التي وجهت له عبر وسائل الاتصال المختلفة، سواء الاعلامية منها او عبر الانترنيت، همته، والدليل تمكنه من الفوز برئاسة البرلمان رغم حجم الانتقادات وقوة المنافسين.

هذا الثبات قد يقابله نقاط ضعف ، تتمثل بصغر سنه مقارنة مع بقية اقطاب العملية السياسية في العراق، فضلا عن عدم امتلاكه شهادة الدكتوراه، في حين ان البعض من الساسة يمتلكون شهادات اعلى منه ومن دول اجنبية، هذا الامر قد يشعره بأنه اقل شأنا من غيره .

  • الجانب السياسي :

تمكن (الحلبوسي) من ان يكون له مكانة في نفوس سكان محافظة الانبار، عنما تولى ادارة المحافظة، عبر تلك المكانة حصد اصوات عالية نسبيا في الانتخابات مقارنة مع حجم المشاركة الخجول، وفي الوقت عينه تمكن من كسب رضا النخبة السياسية العاملة معه . وهذا شيء يحسب له .

الشيء الأخر المهم في شخصيته السياسية، انه لازال في مقتبل العمر، بمعنى عنده اهداف وطموح سياسي بعيد المدى، وبالتالي لن يتراخى في عمله ولن يفكر بالاعتزال او ان تكون رئاسة البرلمان اخر المحطات السياسية بالنسبة له، بل من المفترض ان يبقى فاعلا خلال السنوات القادمة.

يضاف الى ذلك، ان (الحلبوسي) هو من الجيل الذي جاء للعمل السياسي بعد عام 2003، وبالتالي فهو لم يكن عضوا في المعارضة العراقية التي دخلت العراق بعد العام اعلاه، وهذا يعني بانه خارج النخبة القديمة التي تمسك بزمام قيادة البلاد منذ خمسة عشر عاما، الأمر الذي يعطيه ميزة تختلف عن غيره، فهو لن يشعر بالذنب عن ما حصل في العراق من مشاكل، ففي اكثر الاحيان يوجه الشعب اصابع الاتهام الى المعارضة العراقية السابقة، على اعتبار انها فشلت في اسقاط النظام السابق بنفسها وسمحت للإدارة الامريكية باحتلال البلاد . وفي الوقت عينه سيكون اقل تعرضا للضغوط الخارجية، فكما هو معروف ان القوى السياسية التي كانت تعمل في الخارج لا زالت تدفع ضريبة الدعم الدولي لها ابان فترة ما قبل عام 2003.

اما من حيث علاقته بالمكون السني، فأمامه فرصة ذهبية ربما انه نجح في استغلال جزء منها، وهي ان يشغل المكان الذي خسره الرموز التقليديون الذين اطاح بهم سقوط الموصل ودخول داعش الى العراق، مثل (اسامة النجيفي وصالح المطلك) وغيرهم، ولم يعد لهم شعبية حقيقية في المحافظات التي يغلب عليها المكون السني ، بسبب عدم تمكنهم من انقاذ المدن او حلحلت مشاكلها العالقة، التي يأتي ملف النازحين والاعمار في مقدمتها.

لكن بالرغم من المعطيات الايجابية اعلاه، والتي يتمتع بها (الحلبوسي)، الا ان ذلك لا يمنع من وجود معوقات ستصادفه مستقبلا، وابرزها ان الرجل سيواجه صعوبة في السيطرة على جلسات البرلمان التي تتطلب الحزم والقوة، بسبب كثرة المشادات والمصادمات الكلامية، التي اذا لم يحسن ضبط ايقاعاتها فأنها ستتحول الى فوضى عارمة في البرلمان، وقد يتهم (الحلبوسي) على الفور بالضعف . ومن جهة اخرى، فأن الخبرة السياسية ستلعب دورها، فلا يمكن ان نقارن خبرة رجال المعارضة العرقية السابقة الذين دخلوا العمل السياسي قبل اربعين او ثلاثين عاما، مع تجربة (الحلبوسي) التي لا تتجاوز السنوات.

كما ان المجتمع العشائري الذي، ينحدر منه ، هو الاخر قد يشكل ضغطا كبيرا على (الحلبوسي)، خاصة اذا ما كان قد اعطى العشيرة وعودا مقابل حصوله على دعمها في الانتخابات . ولابد ان نشير ايضا، الى ان القوى السياسية السنية، هي الاخرى قد تكون عائقا امام ادائه السياسي، فكما هو معروف هناك اكثر من زعامة تحاول ان تعرف نفسها على انها القائدة للسنة في العراق، امثال (خالد العبيدي) وزير الدفاع السابق الذي يحظى بمقبولية واسعة في البلاد، وهذا المعوق تتوقف قوته على براعة (الحلبوسي) ومقدرته على كسب كافة الاطراف الى جانبه .

بقي ان نذكر ايضا، ان الضغوطات القادمة من خارج الحدود قد تترك ندباتها في شخصية رئيس البرلمان وادائه السياسي، فكما هو معروف ان هناك تجاذبات اقليمية وامريكية في موضوعة تشكيل الحكومة العراقية الحالية، وطريقة عملها ، وقوة هذا العامل هي الاخرى، ستتوقف على مدى فهمه لطبيعة العمل السياسي في العراق .

اخيرا، كل ما تم ذكره اعلاه، يضاف له خصوصية العملية السياسية في العراق، من حيث انه بلد يعاني من ظاهرة عدم الاستقرار السياسي، بفعل الكثير من المشاكل التي تأتي المحاصصة في مقدمتها، وبالتالي فأن كل الساسة العراقيين سيخضعون لتأثيراتها ومنهم رئيس البرلمان الجديد.

اذن، (الحلبوسي) شاب طموح، لديه مقومات كبيرة لتحقيق نجاحات اخرى في المستقبل، وقيادة البرلمان بشكل صحيح وتقليل ازماته وزيادة فاعليته . وهناك مؤشرات قليلة للفشل السياسي، ربما انه سيتجاوزها بسهولة، شرط ان يفهمها بدقة، وان يحيط نفسه بلفيف من الخبراء خارج نطاق العائلة والاصدقاء الذين قد ينصحونه بما تملي عليهم عواطفهم وليس عقولهم وما هو موجود على ارض الواقع .