السياسة الخارجية التركية بعد 24 حزيران: من العمق الاستراتيجي إلى استراتيجية التوازن الناعم

حزب العدالة والتنمية الذي أصبح الحزب الحاكم في تركيا بعام 2002 يوجه السياسة الخارجية التركية بدايتا من قبل المستشار ومن ثم رئيس الخارجية التركية أحمد داود أوغلو. السياسة الخارجية التركية في عهد داود أوغلوا شهدت تغيرا راديكاليا. فداود أوغلوا ترك المفهوم التقليدي في عدم التدخل بشؤون الشرق الأوسط وأصبحت تركيا لاعبة مهمة في ميزان القوى المحلية والعالمية. فلقد أتخذ موقفا فعالا تجاه مشاكل الشرق الأوسط. وكما وضخ داود أوغلوا في كتابه العمق الاستراتيجي، تركيا تسعى إلى أن تكون دولة فعالة في مواجهة تحديات المنطقة والعالم بسبب موقعها الجغرافي وتاريخها العثماني العميق. في هذا الإطار، تركيا تريد أن تكون ذات مكانة مركزية. في هذا الإطار تركيا أنجزت تطورا من النوع الأول في تاريخها بسياستها الخارجية مع بلدان الشرق الأوسط، أوروبا، البلقان، أمريكيا اللاتينية، أفريقيا وحتى الصين. داود أوغلوا وسياستها الذي شرحها بكتابه، جاءت بحركة دينامية للسياسة الخارجية التركي وفي الحقيقة تركيا بفعل سياسته زادت من نفوذها في المنطقة ولفتت انتباه العالم في ذلك. إضافتا إلى ذلك، تركيا مع طورت خطابها لتشمل عدة محاور وفي الجانب الآخر بدأت تستخدم القوة الناعم والدبلوماسية العامة في سياستها الخارجية. افتتاح مركز يونس إمره، منظمة الأتراك في الخارج والمجتمعات التركية و تنسيقية الدبلوماسية العامة، تعتبر من المؤسسات الجديدة. أيضا أصبح هناك استخدام فعال لرئاسة الوكالة التركية للتعاون والتنسيق والهلال الأحمر التركي. فتركيا تابعت سير دبلوماسيتها في عدة محاور كاستخدام القوة الناعمة، والدبلوماسيات العامة، الحضارية، الإنسانية، كذا دبلوماسية اللاجئين ودبلوماسية المساعدات للخارج. كلها أمثلة لسياسات تركيا المتعددة الأبعاد.

لكن الربيع العربي الذي انتشر إلى سوريا في شهر مايو لعام 2011، جعلت السياسة الخارجية التركية تحصر بعدها. بالتأكيد تركيا رأت قيادة الأزمة وأن تخلق نموذجا من نفسها في الربيع العربي. لكن القوة الناعمة لتركيا كانت بعيدة عن إدارة الربيع العربي. الحرب الأهلية السورية أصبحت أن تهدد الأمن القومي التركي، فاعتبارا من عام 2002 تركيا اضطرت الى ترك السياسة الناعمة التي كانت تتبعها منذ عام 2002 وعادت إلى استخدام القوة الصلبة. في الفترة التي تلتها، تركيا خاضت حرب الوجود مع دولة الإسلام في العراق والشام (داعش) وحزب الاتحاد الديمقراطي (البي واي دي) التي تعتبر جناح لحزب العمال الكردستاني (البي كا كا). والأكثر من ذلك، الشراكة الاستراتيجية في عهد بوش والشراكة النموذجية في عهد أوباما بين الولايات المتحدة وتركيا، تعرضت إلى خطر بسبب تعارض المصالح بين البلدين. سبب التعارض هو دعم الولايات المتحدة الأمريكية حزب الاتحاد الديمقراطي وجماعة فتح الله غولن الإرهابية. فحل هناك انفصام كبير في الشراكة الاستراتيجية التركية والأمريكية علاوتا للأسباب المذكورة. هذا أدى لتركيا إلى الشراكة مع روسيا. مشاركة أنقرة في يناير 2017 لمفاوضات أستانا وضعت تركيا في محوره الثلاثي (التركي-الروسي-الإيراني) وخلقت نوعا من الاتفاق بحكم الواقع. في عتبة صراع جيوستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية ضد الصين وإيران، تقارب تركيا نحو روسيا خلقت بعض المناقشات كهل واشنطن تخسر تركيا أم ماذا؟ في الحقيقة، هذه الحالة جعلت الولايات المتحدة في شراكة مع حزب الاتحاد الديمقراطي التي تعتبر في قائمة الإرهاب لتركيا. ردا إلى ذلك تركيا، ورغم صراع مصالحها مع الأمريكان، خاضت عمليتان عسكريتان المعروفتان بدرع الفرات في أغسطس 2016 وعملية غصن الزيتون في يناير 2018. هكذا أثبتت تركيا كون وجودها في الساحة.

نجاح أنقرة في عملياتها العسكرية في سوريا، تقاربها مع الروس، جعلتها تتفق مع الأمريكان حول منبج. في هذا السياق، دبلوماسية تركيا المستصعبة نجحت. ومن طرف آخر، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم ترد الخلاف والافتراق مع شريكتها القديمة وارادت إيقاف تقاربها مع روسيا التي أصبحت تهدد أمنها القومي. لذلك قررت أمريكا أن تتفق مع تركيا حول منبج.

يرى بأن تركيا في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية ستعود إلى اتباع السياسة الناعمة. معمار السياسة الخارجية الجديدة سيكون الناطق الرسمي باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين الذي لديه عدة مؤلفات في مجال العلاقات الإسلامية الغربية.  بإمكاننا القول بأن مع قدوم كالين لإدارة السياسة الخارجية فإنه وبالعكس من داود أوغلو الذي اعتاد الخطاب الحماسي والشعبي، سيستخدم أسلوب راقي ومتنازل واقعيا. لذا صورة تركيا الدولية ستكون إيجابية أكثر. في هذا السياق، رفق حالة الطوارئ ستؤثر إيجابيا لتركيا وعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. لذا بإمكان تركيا مع رفع حالة الطوارئ والاستفادة من مؤلفات إبراهيم كالين حول علاقات الإسلام مع الغرب، تحسين حالتها مع الاتحاد الأوروبي أكثر فأكثر. لأن الوضع الراهب تجعل تركيا في حالة اضطرار للتقارب مع الاتحاد الأوروبي. هذا التقارب ستخفض الضغط على الاتحاد الأوروبي الحاصل من حربها التجاري مع الولايات المتحدة وصراعه مع روسيا. لهذا السبب، بإمكاننا القول بأن تركيا قد تلعب دور اللاعب الموازن بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. إنها استراتيجية متوقعة من تركيا أن تنتهجها.

ومن طرف آخر، أيضا من المتوقع لتركيا أن تنتهج نفس استراتيجية التوازن في سوريا بين روسيا والولايات الأمريكية. لأن تركيا تتشارك مع روسيا من جهة لإجراء عمليات عسكرية في سوريا، ومن جهة أخرى فهي تتعاون مع الأمريكان لتزويد نفوذها كما حصل في منبج. لذلك الأفضل لتركيا بدلا من اختيار احدى القوتان للشراكة، بأن توازن بينهما وتراعي الوضع الحساس. مقولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “فصلنا تركيا عن روسيا” ما بعد ضرب التحالف الأمريكي-البريطاني-الفرنسي لسوريا بالصواريخ، من الواضح بأنها ذات مغزى فرنسي-أمريكي لإنهاء التقارب بين أنقرة وموسكو. وبالإضافة إلى ذلك، حلف الشمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة الأمريكية، رأتا بأن صواريخ الاس-400 الدفاعية التي تسلمتها تركيا من روسيا، خطرا على مصالحها. بالمقابل من ذلك، مجلس الشيوخ الأمريكي قبلت إيقاف تصدير طائرات الإف-35 ردا على شراء منظمة الإس-400. إنه يعتبر ردا للتقارب الروسي الأمريكي. فإن تركيا لديها علاقات استراتيجية مع الروس في مجاليها العسكرية والطاقية. كما أن ليس لتركيا التخلي عن هذه العلاقات بسبب مصالحها، فإن بإمكانها الحصول على صواريخ باتريوت الأمريكية بدلا من الإس-400 الروسية.

في هذا السياق، بإمكاننا القول بأن في المرحلة المقبلة لكي تستطيع تركيا إكمال سير علاقاتها مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فإن بإمكانها دون ترجيح أي طرف على طرف آخر أن تكمل علاقاتها بالتوازن مع الطرفان. ولا يمكن أن تكون ذلك بدون السياسة الناعمة. تركيا ستركز على منظومتها الدفاعية، فهي طورت مركبة جوية بدون طيار، مركبة جوية مسلحة بدون طيار، صاروخ موقف أو ستاندوف، صاروخ مضاد للدبابات باسم روكيتسان، دبابة آلتاي، مروحية أتاك، مدافع هاوتزر باسم فيرتينا (الصاعقة)، ناسف باسم آكيا، القنبلة الذكية التي طورتها مؤسسة تركيا للأبحاث التكنولوجية والعلمية “توبيتاك”، قمر صناعي كشاف باسم غوكتورك، صاروخ الإعصار، مضاد سفن باسم أتماجا، السفينة المحلية الصنع ميلغم و أخيرا هناك مخطط لصنع طائرة سفن محلية معها سيكون التوازن الاستراتيجية في تزويد القوة الدولية.

فبالتالي الولايات المتحدة الأمريكية وهي تحاول واضحا إنهاء التقارب الروسي-التركي وتعطي السلاح للمنظمات الإرهابية بدلا من تركا، فإن أنقرة، بصنع أسلحة محلية تقلل من إعتمادها للخارج من ناحية ومن ناحية أخرى فهي تدخل مرحلة صعبة للتوازن بالعلاقات مع الخارج. بالإضافة، تركيا وإن ارادت استمرار شراكتها مع أمريكا، فإن من المتوقع بأن أمورا كحزب الاتحاد الديمقراطي، جماعة فحت الله غولن، الإس-400، الإف-35 والقدس، ستستمر في تشكيل المشاكل بين الطرفين.