الرئيس ترامب في مختبر علم النفس السياسي

Republican U.S. Presidential nominee Donald Trump attends a campaign event at Briar Woods High School in Ashburn, Virginia, U.S. August 2, 2016. REUTERS/Eric Thayer

لم يترك علم السياسة جانبا من شؤون الدولة والحكم، الا وتناوله بالتحليل والتفسير، ومن بين ذلك هو القيادة السياسية، اذ وضع علماء النفس السياسي وفقهائه العديد من النقاط واعتبروها اشارة ودليلا على القائد السياسي .

ومن تلك النقاط : مؤشرات وعلامات ذاتية (شخصية – نفسية) ينبغي ان يتحلى بها القائد السياسي ، من اهمها الثقة العالية بالنفس والطموح والاحلام التي ليس لها حدود، وغيرها . وايضا وضعوا علامات ومؤشرات مادية تتعلق بالشكل والمظهر الخارجي، مثل الملبس وعلامات الوجه ولون البشرة، وغيرها .

لكن هذه المؤشرات تبقى غير تامة، ويبقى النقص والنقض يرافقها، وحتى البطلان، والسبب بسيط جدا، لأنها تتعامل مع الانسان، ذلك المخلوق المتغير والمتقلب الذي يصعب السيطرة على تصرفاته وسلوكياته او احاطته بقادة علمية ثابتة. ومن بين الاشياء التي تؤخذ على دلائل ومؤشرات القيادة السياسية، هي شخصية الرئيس الأمريكي (ترامب)، فهو شخص يقود أقوى دولة في العالم، اذا ما قلنا انه يقود العالم على اعتبار ان دولته هي الاعظم والاكثر تأثيرا، لكنه لا يتمتع ولا يتحلى بالنقاط التي وضعها علماء السياسة حول شخصية القائد، ومن الممكن ان نوضح هذا الأمر عبر الآتي:

اولا:من حيث الصفات الذاتية – الشخصية للقائد :

لا يوجد اي تشابه ما بين الكارزما التي يتحلى بها (هتلر او تشلرشل او جمال عبد الناصر)، وما بين شخصية ترامب غير المنضبطة وغير الثابتة، فالقادة الثلاثة بالرغم من مرور سنوات طوال على رحيلهم الا ان مجرد مشاهدة صورهم او الاستماع الى خطاباتهم، ستشعرنا بهيبتهم وقوة تأثيرهم السحري فينا، في حين ان ترامب بالرغم من وجوده بيننا الا انه لا يمتلك من السحر والتأثير اي شيء، بل انه يوحي للمشاهد او المستمع لتحركاته وخطاباته بانه يقف امام شخصية معتلة وهزلية وليست جادة، ولا تنطلق من اساس او عقيدة او مبدأ او منهج سياسي.

 ثانيا :من حيث المظهر الخارجي :

عندما كانت تعرض صور بعض الزعماء في العالم، كان منظرها يثير الاعجاب ، ولكل منهم سمة او علامة، سواء في الشكل مثل شنبات هتلر، وقبعة تشرشل. اما ترامب فأنه لا يتميز بأي علامة تميزه عن غيره، فمظهره وشكله اعتيادي جدا ويخلوا من اي اشارات او رموز من الممكن ان يٌعرف بها.

لكن اذا كانت هذه سمات ترامب وشخصيته، فكيف له ان يقود دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الامريكية؟ وكيف انتخبته الجماهير الامريكية؟

 ان الاجابة عن التساؤلات اعلاه، من الممكن ان نتناولها بالشكل الاتي:

  1. من الممكن ان يكون ترامب نوع خاص من القادة، فلكل قاعدة شواذ  كما يقال، وبالتالي فهذا الشخص يختلف عن غيره، له سمات جديدة ينبغي ان تدرس وتحلل على نحو منفرد، وهذا امر طبيعي في العلوم الانسانية كما اشرنا، فلا يمكن ان تكون النظريات عامة – شاملة، بل ان القصور غالبا ما يكون حليفها .
  2. الأمر يعود الى طبيعة النظام السياسي الامريكي، الذي لا يتأثر كثيرا بتغير الاشخاص، ويرتكز بشكل شبه كلي على المؤسسات الديمقراطية الفاعلة والثابتة التي تمتلك من الخبرة والتراكم ما يجعلها قادرة على العمل حتى مع اصعب الرؤساء واكثرهم اثارة للجدل.
  3. الماكنة الاعلامية الامريكية الضخمة، التي بإمكانها ان تحمل الاشخاص وتقبحهم في اي لحظة، فالولايات المتحدة تمتلك المقدرة على اللعب بمزاجيات الرأي العام المحلي والعالمي، وتحويله الى الوجهة التي تنسجم مع مصالحها، وبالتالي فأغلب وسائل الاعلام الامريكية تغض الطرف عن سلبيات ترامب الشخصية، وتسلط جام غضبها على خصومه او لنقل خصوم الولايات المتحدة سواء في ايران او في اي دولة اخرى.
  4. لازالت العلوم بشكل عام، والانسانية بشكل خاص، رهينة العقل الغربي والامريكي على الخصوص، فما يقوله علماء السياسة الامريكيين يصير قاعدة لا تقبل الشذوذ، وبالتالي فمادام هؤلاء العلماء قد سكتوا ولم يفندوا شخصية رئيسهم او حتى ينتقدوها، فلن يستطيع احد في العالم ان يقول : بأن ترامب لا يصلح لأداره دولة مثل امريكا، ولا ان يقول : لا يليق بأمريكا ان يرأسها شخصية مثل ترامب .
  5. ان المتتبع لردة فعل بقية اركان الادارة الامريكية ازاء شخصية الرئيس ترامب، يلاحظ بأنها تلتزم جانب الصمت في اغلب الاحيان، حتى ان كسنجر السياسي المخضرم، عندما اخبروه بأن ترامب قد فاز في الانتخابات، اكتفى بالقول : قد فاز وانتهى الامر . ولم يعلق بأي كلمة اخرى، مع انه كان يتوقع خسارته . هذا الصمت الذي يلتزمه اركان السياسة الامريكية تجاه ترامب يجعلنا نفسره في اطار المحافظة على سمعة الولايات المتحدة الامريكية، فعندما تتخذ هذه الدولة قرارا ما ويكون خاطئا، فأن العالم لن يقول امريكا اخطأت، بل سيقول ترامب هو الذي اخطأ، وعندما تتخذ قرارا صائبا، سيقول الاخرون العكس، بمعنى سيقولون امريكا اصابت وليس ترامب، على اعتبار ان نظامها نظاما مؤسساتيا .

اذن، ترامب نوع مختلف من القادة، لا تنطبق عليه قواعد الشخصية المتعارف عليها، لكن لأنه يتزعم الدولة الاعظم في العالم، فسيبقى احترامه مستندا الى قوتها، وليس الى الشخصية الجذابة او الحاذقة التي يتمتع بها، وربما في حال نجاحه بزيادة قوة الولايات المتحدة، او على الاقل المحافظة على بقائها في مكانتها العالمية الحالية، سيحدث هذا الرجل تغييرات في نظرة العلماء وتفسيرهم للقيادة السياسية في القرن الواحد والعشرين.