الجيوفوبيا والشرق الأوسط

لا نبالغ إذا قلنا إن السمة الرئيسة للنظام الدولي والتوازنات العالمية كانت قائمة على مسمى الصراع الدولي، وبأبعاده المختلفة، فمنذ مطلع القرن العشرين عصفت الصراعات الداخلية في أوروبا بالتوازنات السياسية التي كانت اتفاقية وستفاليا قد وضعت أسسها عام 1648، ومن ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتقضي على ما تبقى، ولم يلبث صراع الإمبراطوريات أن تحول مع بداية الحرب العالمية الثانية إلى صراع القوميات، ثم انتهى المطاف بالنصف الثاني من القرن العشرين إلى الدخول في مرحلة صراع الأيديولوجيات، والتي كانت السمة المميزة للحرب الباردة.

وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة مهيمنة على الساحة العالمية، طفق المحللون والمفكرون الإستراتيجيون الأمريكان للتبشير بالمرحلة الجديدة، وراحوا يبحثون عن سبل لإدامة النجاحات الأمريكية عبر إيجاد مسالك جديدة للصراع الدولي، فذهب «صاموئيل هنتكتون» يتحدث عن صراع الحضارات، و«فرنسيس فوكوياما» يتحدث عن نهاية التاريخ والتصدع العظيم، و«زبينغيو برجنسكي» يتحدث عن رقعة الشطرنج الكبرى والسيادة الأمريكية، و«آلفن توفلر» يتحدث عن الموجة الثالثة وإعادة التفكير بالمستقبل، والغرض من ذلك كله إيجاد سبل لديمومة الرأسمالية الأمريكية، على اعتبار أنها تتغذى على الصراعات الدولية.

وبعد أحداث 11 سبتمبر أيلول 2001، برز مفهوم «صراع الإرهاب» ليكون نقطة الانطلاق للقرن الحادي والعشرين، وراحت دوائر التفكير الإستراتيجي الأمريكي تنظَر لاستراتيجية أمريكية جديدة لهذا القرن، والتي أثمرت مشروع القرن الأمريكي الجديد للقرن الحادي والعشرين، والذي اتخذ من احتلال أفغانستان والعراق نقطة الشروع بالتنفيذ.

ويمكن القول إن لقراءة هذه الصراعات الدولية وتطورها، هناك رؤيتين، الأولى القراءة التاريخية الاستشرافية التي تسعى إلى معرفة المستقبل من خلال قراءة الماضي، وتفهم الحاضر، والتكهن بالمستقبل، أما الثانية فهي القراءة الصراعية الآنية التي تسعى إلى تفهم طبيعة الصراعات الدولية، ومعرفة أسبابها ونتائجها وتداعياتها المستقبلية، وهل ستكون بوابة لصراعات جديدة.

إن كل الصراعات الكبرى عبر التاريخ السياسي العالمي، ينبت بداخلها أو تنشأ معها وعلى نحو متدرج صراعات جديدة، لا تلبث أن تكون بوابة لصراعات كبرى جديدة، ومن هنا فإن الصراع الدولي اليوم «الجيوفوبيا أو الحدود المرنة أو حدود الدم» لم تولد مع بداية القرن، وإنما كان قبل ذلك بعقود في رحم التاريخ الذي لا يعبأ كثيرًا بأرقام الروزنامة التي يعتمدها البشر.

إن الحدود الدولية لا تكون أبدًا عادلةً بشكل كامل، وتختلف درجة الظلم التي توقعها هذه الحدود على الجماعات البشرية التي يفرض عليها الانفصال أو الاندماج بموجبها، بنفس درجات الاختلاف بين الحرية والقهر، وحكم القانون والإرهاب، والحرب والسلام،

وتعد أكثر الحدود الدولية تحكمية وتشوهًا في العالم هي تلك القائمة في أفريقيا وفي الشرق الأوسط، فالحدود الأفريقية التي رسمها الأوروبيون تبعًا لمصالحهم الخاصة تعتبر من أهم أسباب وفاة الملايين من الأفارقة حتى الآن، والحدود «الظالمة» في الشرق الأوسط تسبب من الأزمات ما يفوق قدرة المنطقة على احتمالها، فالشرق الأوسط يعاني من مشكلات عديدة تفوق مسألة الحدود الدولية، ما بين جمود ثقافي، وعدم مساواة كارثية، وتطرف ديني، إلا أن المفتاح لفهم الفشل الشامل الذي تعانيه هذه المنطقة ليس الإسلام، وإنما الحدود المرسومة بشكل سيئ، والمقدسة في نفس الوقت إلى أبعد حد، تلك الحدود التي يحميها القائمون على السلطة.

إن خطوط التقسيم الحالية التي تفصل قسرًا بين جماعات بشرية، وتجبر جماعات أخرى على التوحد، مضافًا إليها كوارث المنطقة ومشاكلها، تخلق تربة خصبة للتطرف الديني، ولثقافة اللوم ولتوظيف الإرهابيين تبعًا لرغبة أي طرف، فعندما ينظر الرجال والنساء بحسرة إلى حدودهم، يصبحون مستعدين بحماس للبحث عن أعداء، ما بين زيادة المعروض في العالم من إرهابيين، وقلة الإمدادات النفطية، فإن التشوهات القائمة في الشرق الأوسط تعد بالمزيد من تدهور الأوضاع، وعلى الولايات المتحدة وحلفائها، أن تدرك أنها ستواجه أزمات بلا نهاية، في منطقة لم تبد فيها سوى أسوأ مظاهر القومية والأثنية والطائفية، وتتجه فيها أكثر المعاني المغشوشة للدين نحو السيادة في ظل الإحباط الذي يعانيه هذا الدين، وأخيرًا إذا لم يتم تعديل الحدود في الشرق الأوسط لتعكس روابط الدم، والروابط الدينية الطبيعية، فإن بحار الدماء في المنطقة ستستمر، بما فيها دماؤنا نحن.