التهديدات الأمريكية والخيارات التركية

في الوقت الذي شهدت فيه منطقة الشرق الأوسط خلال الأيام القليلة الماضية، تحولات دراماتيكية حظيت بإهتمام وسائل الإعلام المحلية والعالمية، والتي كان أبرزها التطورات السياسية في العراق، والتقارب الإثيوبي الإريتيري، إلى جانب حالة عدم الإستقرار الأمني الذي ضرب العاصمة هراري، على أثر إعلان عن فوز الحزب الحاكم في الإنتخابات التشريعية، إلا أن العقوبات الأمريكية الأخيرة حيال تركيا جعلها في صدارة المشهد السياسي للنشرات الإخبارية المحلية والعالمية.

ننطلق من المقالة التي نشرها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية صباح اليوم، لنؤشر إلى مدى عمق الأزمة التي تعتري العلاقات التركية الأمريكية، إذ قال في نهاية مقالته، والتي نشر موقع ترك برس نسخة منها، “…في الوقت الذي يستمر فيه الشر في التربص بالعالم، فإن التصرفات الأحادية الجانب ضد تركيا من قبل الولايات المتحدة، حليفتنا لعقود، لن تؤدي إلا لتقويض الأمن والمصالح الأمريكية، يجب على واشنطن، قبل أن يفوت الأوان، التخلي عن الفكرة المضللة القائلة بأن علاقتنا يمكن أن تكون غير متناظرة، وأن تقبل بحقيقة أن تركيا لديها بدائل، إن الإخفاق في قلب هذه النزعة الأحادية وعدم الاحترام يتطلب منا البدء في البحث عن أصدقاء وحلفاء جدد”.

ففي حقيقة الأمر بدأت بوادر التأزم في العلاقات التركية الأمريكية، في طبيعة التعاطي الأمريكي مع قضيتي الأكراد في سوريا، وقضية الإنقلاب الفاشل في 15 يوليو 2016، لتشكل إنعطافة تاريخية في العلاقات بين البلدين، وفي إطار البحث التركي عن خيارات مستقلة بعيدة عن التأثير الأمريكي، تشكلت الأزمة الحالية في المجالات الآتية:

  • مسألة القس أندرو برونسون.
  • العلاقة مع روسيا.
  • الموقف من العقوبات الأمريكية ضد إيران.
  • الدور التركي في سوريا والعراق.
  • الموقف التركي من قضية القدس.
  • نظرة تركيا للنظام الدولي الحالي.

وبالتالي متى ما قدمت تركيا تنازلات في هذه الملفات للولايات المتحدة الأمريكية، ففي ذلك الوقت يمكن الحديث عن حل لبوادر الأزمة، إلا أن الثابت هنا هو الموقف الثابت للقيادة التركية حيال العلاقة مع أمريكا، والذي توضح أكثر بعد زيارة الوفد التركي إلى واشنطن في 10 أغسطس 2018 من وزارات الداخلية والعدل والخارجية التركية، فعلى الرغم من الهبوط الكبير لقيمة الليرة التركية أمام الدولار، إلا أن تركيا قادرة على تجاوز هذه المحنة التاريخية، فوحدة الشعب التركي ووقوفه خلف أهدافه الوطنية في العديد من القضايا المصيرية، والتي يأتي على رأسها إفشال محاولة الإنقلاب في 2016، تعطي الكثير من الدلائل على إمكانية الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر، كما أننا اليوم لسنا أمام مواجهة جديدة نوعها بين الطرفين، فقد سجل التاريخ الكثير من المواجهات الدبلوماسية بين تركيا وأمريكا، والتي خرجت منها تركيا متعافية، إذ تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن مفتاح نجاحها الرئيس في الشرق الأوسط يمر عبر البوابة التركية، وبدونها لن يكون هناك أي عنوان للنجاح الأمريكي في المنطقة.

الظروف التاريخية المحيطة بمنطقة الشرق الأوسط اليوم، تنذر بمواجهات شاملة بين قواها الإقليمية والقوى الدولية – الإمبريالية، التي تجد في الشرق الأوسط الفراغ الذي ينبغي أن تملأه، وكثيراً مامثلت الخيارات الوطنية سبباً مباشراً للمواجهة مع القوى الإمبريالية، فقد شكل وقوف السلطان عبدالحميد الثاني بوجه أوربا إنقلاباً في موازين القوى في القارة الأوروبية والشرق الأوسط، واليوم يمثل وقوف القيادة التركية بوجه القوة الأمريكية تحدياً حقيقياً أمام هذه القوة، ولعل حديث الرئيس أردوغان عندما أشار إلى “…. يتطلب منا البدء في البحث عن أصدقاء وحلفاء جدد”، دلالة واضحة بأن قواعد القوة الدولية في المنطقة قد تغيرات، وأن الوهن الذي أصاب النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين، قد شجع الكثير من القوى الدولية، وعلى رأسها روسيا والصين بل وحتى الإتحاد الأوربي، إلى إعتماد خيارات سياسية مستقلة، ولنا في الملفين الإيراني والسوري مثال على ذلك.

تركيا تدرك جيداً بأن قوتها كفاعل جيوسياسي دولي، وأيضاً كفاعل جيوإستراتيجي في الشرق الأوسط، يستدعي منها تحمل ثمن خياراتها الوطنية المستقلة، فهي قوة عسكرية كبيرة، ولها من الإستحقاق التاريخي على طول الجغرافية الإسلامية، وبالتالي فهي تمتلك كل ادوات المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

فالموضوع اليوم يتجاوز مسألة قس مغمور كان سبباً في الخلاف الحالي بين الطرفين، أو حتى منظومة S400 الروسية، أو حتى العلاقة مع النظام الإيراني، الموضوع الأساس هو أن صانع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، بدء يدرك جيداً بأن تركيا أخذت تبتعد كثيراً عن السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، كما أنه لم يعد يستطع تحمل النظرة إلى تركيا على أنها قوة مناظرة، إذ تعود النظر إلى تركيا على أنها متغير “تابع” وليس “مستقل”، كما أن تصريح الرئيس أردوغان في وقت سابق من هذا العام عندما قال”بأن العالم أكبر من خمسة”، مثل ردة فعل كبيرة في الأوساط الدولية، بأن هناك تركيا جديدة بدأت تولد.

لابد من القول بالنهاية بأن تركيا تقف على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، مرحلة ستكون فيها تركيا فيما لو تجاوزت هذه الأزمة، وهي قادرة على ذلك، إنطلاقاً من تجربة التاربخ والسياسة، قوة لها تقاليدها السياسية الخاصة، وتكون أيضاً الولايات المتحدة الأمريكية قد أدركت جيداً بأنها أصبحت أمام تركيا جديدة، لايمكن تجاوزها أو التجاوز على خياراتها الوطنية.

فالنظرة الأحادية الأمريكية للنظام الدولي اليوم توضع أمامها الكثير من التساؤلات، فنحن اليوم أمام نظام دولي فوضوي، بل يحق القول بأننا بدأنا الولوج إلى عالم مابعد الغرب، عالم لن تعود الولايات المتحدة الأمريكية فيه قادرة على تسويق خياراتها السياسية على حساب مصالح الأخرين، ففي الوقت الذي نجحت فيه في فرض عقوبات على إيران وروسيا والصين وتركيا، إلا أنها حتى الأن لم تجني ثمار هذه العقوبات.

إن الخيارات التركية واضحة جداً، حلفاء جدد وترتيبات سوسيو-أمنية جديدة، وهي بالتأكيد ستكون محدد جديد للسياسة الأمريكية في المنطقة، ولهذا لابد من أن تدرك الولايات المتحدة الأمريكية بأن التصاعد بالعداء مع تركيا سوف يدفعها إلى خيارات سياسية متطرفة، ليس أقلها تحول الولايات المتحدة الأمريكية من مرتبة الحليف الإستراتيجي إلى العدو الإستراتيجي، بل إننا قد نكون أمام حلف دولي جديد بالضد من حلف الشمال الأطلسي، حلف دولي تكون قاعِدته الأساسية تركيا، ففي الوقت الذي قدم فيه حلف الشمال الأطلسي الكثير من الإغراءات الإقتصادية لتركيا عبر مشروع مارشال، من أجل ضمها إلى الحلف، هناك الكثير من الدول اليوم تسعى للقيام بالشيء نفسه، من أجل قطع الخيط الرفيع الذي يربط تركيا بالولايات المتحدة الأمريكية، عندها ماذا ستقول الولايات المتحدة الأمريكية لو حدث ذلك!.