التحليل النفسي والسياسي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين

Russian President Vladimir Putin signs bills making Crimea part of Russia in the Kremlin in Moscow, Friday, March 21, 2014. President Vladimir Putin completed the annexation of Crimea on Friday, signing the peninsula into Russia at nearly the same time his Ukrainian counterpart sealed a deal pulling his country closer into Europe's orbit. (AP Photo/Sergei Chirikov, Pool)

روسيا ليست دولة اعتيادية، وقادتها ليسوا كبقية القادة في العالم، بل يجب ان يكونوا من طراز خاص يتلاءم وطبيعة هذه الدولة وتاريخها وحاضرها وتطلعاتها المستقبلية، ونظرة العالم اليها بأن تلعب دورا دوليا رياديا .

ان الخصائص اعلاه التي تتميز بها روسيا الاتحادية عن بقية دول العالم، لم تكن غائبة عن كل شخصية تصل الى اعلى هرم السلطة فيها، سواء في الفترة التي كانت روسيا ضمن الاتحاد السوفيتي او حتى بعد انهياره . فالعالم لا يمكن ان ينسى شخصية ستالين، او خرشوف، او حتى بوريس يلتسين . ولا يختلف الحال مع شخصية فلاديمير بوتين ، فهذا الرجل قد فرض نفسه وبقوة على مسرح الاحداث العالمية، وصارت صوره والفيديوهات المدروسة التي يظهر فيها تثير اهتمام دول العالم قاطبة ، حتى الولايات المتحدة الامريكية العدو التقليدي لروسيا لم تخلوا ممن يعجب ببوتين ويقارنه مع شخصية ترامب غير المنضبطة .

واذا ما اردنا ان نخضع بوتين للتحليل النفسي والسياسي، فسنجد الآتي :

التحليل النفسي :

مجرد مراجعة لطفولة بوتين وشبابه الاول سنجد بأنها سوفيتية بامتياز، فقد عاصر هذا الرجل فترة السمو والمجد التي كانت السمة البارزة لذلك الاتحاد، هذه المعاصرة قد خلقت في نفس بوتين حب العظمة، والحنين للأيام التي كان السوفييت فيها يمثل القطب الثاني المساوي للولايات المتحدة الامريكية . وتلتف حول قطبيته ملايين الناس في بقاع الارض المختلفة، بالأخص في الدول غير المتقدمة، او ما يعرف بدول العالم الثالث في حينها .

الشيء الاخر الذي علق في ذاتية بوتين، هو ايمانه بقدرات الحاكم على صنع المستحيل، فالاتحاد السوفيتي يدين في قوته وفي علوه الذي وصل اليها، الى شخصيات قادته الملهمين، بالأخص لينين وستالين، فهذان الرجلان فضلا عن مكانتهم العالمين، كرموز للقوة اللامتناهية، فهم في عين الشباب الروسي المعاصر لتجربتهما يمثلان قدوة يجب تقمصها وتقليدها . حتى موضوعة تقبله للديمقراطية والانتخابات، هي مسألة مشكوك فيها، فهو لا يؤمن بمقدرة الجماهير على ان تختار حكامها، ويؤمن بقدرة النخبة، او بالأحرى الشخص الاوحد على ادارة البلاد، وتوجيهها بالشكل الصحيح ، وما الجماهير الا اداة و وسيلة لتحقيق الاعظم، وهي الدولة القوية ذات النفوذ العالمي الكبير .

من هذا المنطلق فأن بوتين يؤمن بقدرته على فعل المستحيل في روسيا، حركاته وابتسامته، وطريقة تفاوضه توحي بأنه ينطلق من ثقة عميقة بالنفس ، لا يمكن لأي خصم ان يكسرها، او يفك شفرتها بغير الرجوع الى الارث السوفيتي المتجذر في روحية و وجدان هذا الرجل .

وبعد كل ذلك، فأن مقومات شخصية بوتين المادية هي الاخرى تؤهله للعب ادواره العالمية المهمة، فهذا الرجل يمتلك مظهرا جذابا وانيقا، وله هويته الخاصة من حيث طريقة التحدث، والسير (المشي)، ونظراته التي توحي للمشاهد انه يتعامل مع شخصية عميقة، او بئر مليء بالأسرار .

 التحليل السياسي :

كما اشرنا اعلاه، فأن بوتين هو خريج المدرسة السوفيتية في السياسة، ومن تلك المدرسة ورث اشياء اخرى، من اهمها ايمانه المطلق بأن روسيا هي ليست دولة اعتيادية مثل بقية دول العالم، بل هي قطب دولي ، هذه المكانة العالمية لروسيا يريدها بوتين ان تكون بديلا عن الاتحاد السوفيتي المنهار، لذلك يحاول ان يضع نفسه ودولته على عجل في ملابسات كل ازمة او مشكلة عالمية وبقوة، حتى لو لم تكن هناك فوائد واضحة لروسيا ، لكن المهم ان تكون روسيا حاضرة فيها.

والامر المهم ايضا، والذي ورثه بوتين من المدرسة السوفيتية، هي علاقة بلاده مع الولايات المتحدة الامريكية القائمة على اساس التنافس وربما الصراع في بعض الاحيان للسيطرة على مناطق النفوذ العالمية . ولا تخلو هذه العلاقة من روح الحقد والرغبة بالانتقام من نتيجة الحرب الباردة التي تمكنت الولايات المتحدة في النهاية من الظفر فيهان عندما تحولت الى القطب العالمي الاوحد، في حين ان الاتحاد السوفيتي قد انهار وخسر مكانته العالمية، بل خسر وجوده كدولة موحدة .

يضاف الى ذلك، فمن الامور التي علقت في ذهن بوتين، وهي من بقايا حقبة الحرب الباردة، هو مكانة الشرق الاوسط في ذهنية صانع القرار السوفيتي سابقا والروسي حاليا ، فلم تنسى روسيا بوتين، ان الشرق الاوسط قد تقبل الفكر الشيوعي الاممي الذي مصدره الاتحاد السوفيتي السابق ، وان الكثير من الانظمة العربية وغير العربية قد استجابت للإرادة السوفيتية، وضحت في سبيل تطبيق الشيوعية وخسر الكثير منها كرسي الحكم، بفعل معاداته للرأسمالية وللغرب بشكل عام . لذلك نجد بان بوتين يتعامل مع قضايا الشرق الاوسط بجدية اكبر من اي منطقة اخرى في العالم . وكانه جمهورية منحلة عنه يريد ان يسترجعها ، ومما زاد من تمسك بوتين بالشرق الاوسط، هو سياسة الولايات المتحدة القائمة على الانتقام من الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي وتعادي الولايات المتحدة ابان الحرب الباردة، مثل العراق وسوريا وليبيا، ومصر اليمن، فهذه الدول قد اغرقتها حركات التغيير المدعومة امريكيا دون غيرها، اذ لم تشمل حركات التغيير دول الخليج العربي التي كانت تدور في فلك الغرب ابان الحرب الباردة .

ولعل الحس المخابراتي، ايضا يبدوا واضحا على بوتين، وهو ايضا جاءه من التجربة التي خاضها في هذا المجال، وهذه السمة تساعده في السيطرة على الحكم داخل روسيا، كونه عالما بذبذبات المؤامرات والدسائس التي تحاك ضده، من المقربين حوله، وكذلك الحال تعينه معلوماته وثقافته الجاسوسية على فهم الاطراف الدولية والتمكن من حسم المفاوضات بشكل يحقق مصلحة بلاده ، ولهذا فقد كثرت الاقاويل عن الطريقة والاساليب التي يتبعها بوتين في المفاوضات او حتى في اللقاءات العادية مع ساسة الدول الاخرى وممثليها ، فمثلا يقال بأنه يصطحب معه الكلاب المدربة والمرعبة في نفس الوقت ، كما انه يستعرض بعض الاجهزة المتطورة التي تصلح في العمل الاستخبارين مثل الحمامة الذكية . وهذه كلها رسائل للدول الاخرى، و وسائل ضغط وحرب نفسية على الشخوص الذين يتحاور معهم بوتين .

بقي ان نذكر، ان مما ساعد بوتين على ان ينجح الى حد ما في ان يجعل من نفسه شيئا مهما عالميا، هو البيئة الداخلية المتهيئة لظهور مثل هذه الشخصية من جهة ، فثقافة الاتحاد السوفيتي والزعماء الكبار لم تيبس بعد، وفي الوقت عينه فأن العالم او البيئة العالمية، هي الاخرى قد ساعدت بوتين في تسويق نفسه عالميا ، فكره اغلب بلدان الشرق الاوسط للسياسة الامريكية او بالأحرى لكل ما هو امريكي، قد فتح المجال لروسيا – بوتين للدخول اليها . يضاف الى ذلك عدم وجود شخصيات عالمية جذابة، قد جعل بوتين ينفرد في هذا المجال .  فلا يمكن ان نقارن شخصية بوتين بشخصية ترامب الهزلية التي لا تبعث على الاعجاب او حتى الاحترام .

اذن، بوتين شخصية متميزة، نصفها صنع في الاتحاد السوفيتي، ونصفها في روسيا الاتحادية، ليشكل شخصية عالمية فرضت نفسها على الواقع في ظل تراجع الزعامات والكاريزما وتوجه الدول الى الحكم المؤسساتي .