الأستثمار الأمني في ضوء النيوليبرالية الأمريكية الجديدة

النيوليبرالية هي محاولة واعية لإعادة تشكيل نظام حياة الإنسان، فقد وصلت من الانتشار أننا من النادر أن يكون بإمكاننا تسميتها بالأيدولوجية بعد الآن، النيوليبرالية ترى أن السمة الأساسية للمجتمعات هي المنافسة، وتجسد المواطنين فيها على أنهم مستهلكون، حيث يقومون باختياراتهم الديمقراطية عن طريق البيع والشراء، وهي العملية التي تقوم بمكافأة الغني ومعاقبة كل من كان غير كفء للمهمة التي يؤديها، وهي أيضا العملية التي تنص على أنه من الممكن تحقيق أهداف في هذا العالم لم يسبقها التخطيط الجيد والكامل.

ولذا وبناءً على ما سبق يمكن تعريف تعبير “النيوليبرالية” بأنها تبني سياسة اقتصادية تقلل من دور الدولة وتزيد من دور القطاع الخاص قدر المستطاع، حيث تسعى النيوليبرالية لتحويل السيطرة على الاقتصاد من الحكومة إلى القطاع الخاص بدعوى أن ذلك يزيد من كفاءة الحكومة ويحسن الحالة الاقتصادية للبلاد.

خصخصة الخدمات العامة والتقليل من القوانين والضوابط الحكومية هو ما تنوي عليه النيوليبرالية، بل هو ما حققته بالفعل، كما يتم تصوير اتحادات العمال والموظفين بمثابة تشويه رئيسي للهيكلة الهرمية التي تعمل النيوليبرالية على بنائها بعد تصنيفها لأفراد المجتمع إلى فائزين وخاسرين في السوق المفتوح.[1]

فخلال الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية الامريكية، وجه دونالد ترامب انتقادات حادة لليابان احدى أبرز حليفات بلاده في القرن الماضي، وتعجب ترامب من كيفية قبول بلاده بالتعهد بالمحاربة من اجل اليابان، بينما بوسع اليابانيين البقاء في منازلهم إذا تعرضت الولايات المتحدة لهجوم، وقال ترامب “إذا تعرضنا لهجوم، لن يتعين على اليابان مساعدتنا، بل انهم سيبقون في منازلهم لمشاهدة تليفزيوناتهم من نوع سوني”.

وجاء ذلك في خطاب جماهيري لترامب في ولاية أيوا انتقد فيه الدول التي لاتساهم بنفقات مالية كافية في حلف شمال الاطلسي (الناتو) والدول الواقعة تحت الحماية الامريكية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وانتقد ترامب ايضا دولا عدة منها ألمانيا والسعودية لأنها لا تساهم بمبالغ كافية في الحماية التي توفرها الولايات المتحدة لها، على حد تعبيره.

وجاءت زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبى إلى الولايات المتحدة الأمريكية يوم الخميس المصادف 9 آذار 2017 لعقد قمة مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى واشنطن، ثم التقاه فى منتجعه الخاص فى ولاية فلوريدا قبل أن يعود إلى اليابان ، في إطار الاستراتيجية الجديدة لإدارة ترامب بإعادة تقييم المصالح الأمريكية في شرق آسيا، ولطمأنة حلفائها الآسيويين، في وقت تتصاعد فيه المخاوف بشأن برنامج الصورايخ الكوري الشمالي والتوترات مع الصين.

سعى الرئيس الأمريكي ترامب إلى تفادي الدوران في حلقة مفرغة من السجالات الداخلية التي رافقت أوامره التنفيذية في الأيام العشرة الأولى من ولايته، وذلك بإيفاد وزير دفاعه جيمس ماتيس الى آسيا لطمأنة اليابان وكوريا الجنوبية حليفتي أمريكا إلى التزامه بأمنهما، في أول رحلة خارجية لمسؤول أمريكي في ادارة ترامب، الذي أثار خلال حملته الانتخابية مخاوف من امكان تقليص الدور التاريخي للولايات المتحدة في شمال شرقي آسيا.[2]

فقد أثار ترامب مخاوف حلفاء واشنطن عندما اقترح خلال حملته الانتخابية أن تتزود اليابان وكوريا الجنوبية بسلاح نووي، معتبراً ان الحماية الأمريكية لهذين البلدين مكلفة جداً، ملمحاً الى امكان سحب القوات الأمريكية منهما في حال لم تزيدا مساهماتهما لدعم الوجود العسكري الأمريكي على أراضيهما، حيث يتواجد حوالى 28500 جندي أمريكي في كوريا الجنوبية و47000 في اليابان.

وعبرت بكين عن استيائها من تصريحات ماتيس في سيول، بأن إدارة ترامب ملتزمة بتنفيذ الاتفاق الذي توصلت إليه إدارة أوباما مع حكومة كوريا الجنوبية العام الماضي لنشر نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي (ثاد) في كوريا الجنوبية هذا العام 2017، إذ تهدف منظومة “ثاد” إلى تحسين دفاعات كوريا الجنوبية واليابان، وكذلك القوات الأمريكية المتمركزة في البلدين، ضد أي هجوم صاروخي كوري شمالي، وتعترض بكين على تركيب هذه الأنظمة لأن الرادارات القوية ستسمح لها بالتجسس على مناطق شمال شرق الصين، وربما يسمح ذلك بمراقبة التحركات العسكرية الصينية.

بات من الواضح أن سياسة ترامب الجديدة تجاه شرق آسيا تكمن في دعم التحالف والتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية لمواجهة الطموحات النووية لكوريا الشمالية والطموحات الاقتصادية والتجارية للصين في المنطقة.

وتنحو كوريا الشمالية دوماً إلى إثارة القلق الأمريكي، فربما تستعد لإجراء تجربة جديدة لإطلاق صاروخ باليستي قد يكون تحديا جديدا لإدارة الرئيس الجديد دونالد ترامب، وقد هددت أمريكا بسحق كوريا الشمالية حال استخدامها للأسلحة النووية، إذ أجرت أكثر من عشرين تجربة صاروخية العام الماضي، كما أجرت تجربتين نوويتين في تحد لقرارات وعقوبات الأمم المتحدة.

ووفقا لمؤسسة “38 نورث” البحثية الأمريكية فيبدو أن بيونغ يانغ أعادت تشغيل مفاعل في مجمع يونجبيون وهو المنشأة النووية الرئيسية التي تنتج البلوتونيوم الذي يمكن استخدامه في برنامجها للأسلحة النووية.

كما دأبت الصين على اتخاذ موقف متشدد بشأن مطالباتها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وهذا يعني أن الولايات المتحدة لابد أن تظل يقظة لضمان القدرة على الوصول إلى الممرات الملاحية الحيوية في المنطقة.

ولذا يتعين على الولايات المتحدة أن تحرص على صيانة العلاقات القوية مع حليفتيها في المنطقة (اليابان وكوريا الجنوبية)، وعلى الإدارة الجديدة أن تتحلى بالذكاء في ملاحقة أهداف أخرى، مثل التجارة والتعاون العسكري مع هاتين الحليفتين.

وفيما يتعلق بالمانيا، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن ألمانيا مدينة لحلف شمال الأطلسي “بمبالغ طائلة”، وأن على برلين أن تدفع للولايات المتحدة المزيد للدفاع عنها، وذلك بعد ساعات من لقائه المستشارة أنجيلا ميركل،كما أشار إلى إن برلين “مدينة بمبالغ مالية طائلة” لمنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) وللولايات المتحدة نظير الدفاع عن ألمانيا.

ولم يظهر الرئيس الأمريكي والمستشارة الألمانية، خلال لقائهما يوم الجمعة (17 آذار/مارس)، اتفاقا على عدد من المسائل العالقة في المواضيع الخاصة بحلف الشمال الأطلسي والنفقات الدفاعية، وخلال مؤتمر صحافي مشترك عقداه ، طالب ترامب شركاء الولايات المتحدة في الحلف بدفع “مبالغ طائلة (هم مدينون بها) من أعوام سابقة”.

وقال إنه “أمر ظالم جدا للولايات المتحدة” أن يستغل حلفاؤها الأوروبيون الإنفاق الدفاعي الأمريكي، وتابع “يجب أن تدفع هذه الدول ما عليها”.

من ناحيتها، كانت المستشارة الألمانية ميركل قد أكدت أنّ ألمانيا ستزيد نفقاتها الدفاعية للوصول إلى هدف 2% من إجمالي الناتج الداخلي، الذي اتفق عليه أعضاء الحلف في السابق.

وندد ترامب كذلك بطريقة تعاطي الإعلام مع لقائه بميركل، قائلا عبر تويتر “رغم ما سمعتموه من أخبار كاذبة، كان لقائي بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رائعا”.

وكان وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس قد هدد بأن الولايات المتحدة سوف تقلص إسهاماتها للناتو، إذا لم تقم الدول الأعضاء فيه بزيادة حجم إنفاقها الدفاعي.[3]

سعودياً، فلا قانون جاستا ولا تصريحات ترامب الانتخابية حالا من إعادة الدفء الى العلاقات السعودية الامريكية ، فزيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير (محمد بن سلمان) الأخيرة وما تخللها من محادثات واتفاقيات ، بدت اختراق غير مسبوق لإعادة إجراءات الثقة بين الجانبين السعودي والامريكي ، بعد فترة من الفتور والشك التي سادت خلال حقبة (باراك أوباما)، وعلى الرغم من ان هذا الفتور في العلاقات بين البلدين حدث على حساب الاتفاق النووي مع ايران الى جانب تغاضي إدارة أوباما عن التمدد الإيراني في المنطقة ، فان التعافي من هذا الفتور يبدا أيضا من ايران ، اذ شدد البيان الصادر عن البيت الأبيض الى سعي البلدين الى التصدي معا للنشاطات الإقليمية الإيرانية المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط ، والاستمرار بالتطبيق الصارم لبنود الاتفاق النووي الهادف الى انهاء فرص ايران بالحصول على الأسلحة النووية ، بالتوازي مع محاربة تنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى في المنطقة وتحديدا في سوريا والعراق واليمن ،  ويبدا ان هناك تقاربا كبيرا للرؤى بين الطرفين حول التهديدات التي تمثلها ايران ، فقد أشار وزير الدفاع الأمريكي اثناء الاجتماع مع نظيره السعودي “نحن نتشارك معكم هذه المخاطر”، الحقيقة ان الموقف الأمريكي الجديد حيال ايران بدء يتشكل مع دخول ترامب الى البيت الأبيض ، من خلال حديثها عن ضرورة كبح جماح ايران ، وكف تدخلاتها السياسية والعسكرية في شؤون دول المنطقة ، وضرب اجنحتها واذرعها في المنطقة ، الى جانب التصريحات المستمرة من قبل المسؤولين الامريكان ووصفهم ايران بالراعي الأول للإرهاب في العالم، وصولا الى اعلان الولايات المتحدة عن حزمة جديدة من العقوبات على ايران بعد نجاحها في اختبار صواريخ بالستية متوسطة المدى، وهي خطوات تأتي متناغمة مع الرغبة السعودية والخليجية عموما بالحد من التهديدات الإيرانية المستمرة، ورغم تسارع نسق التقارب مع واشنطن ، نجد السعودية اتجهت في الوقت نفسه شرقا نحو الصين واليابان، في توجه سعودي يهدف الى اضعاف وحلحلة ارتباطات ايران الدولية حتى مع اقرب حلفائها كالصين وروسيا والعراق ولبنان.

وتخطط السعودية لتمويل استثمارات ضخمة في شركات التكنولوجيا الأمريكية، وقد التزمت المملكة بـ 45 مليار دولار في صندوق استثمار بقيمة 100 مليار أطلق بالاشتراك مع سوفت بنك الياباني، وقال البيت الأبيض في بيان له إن الرئيس (ترامب) أبدى خلال اجتماعه مع الأمير (محمد بن سلمان)، دعمه لتطوير برنامج أمريكي سعودي جديد يركز على الطاقة والصناعة والبنية التحتية والتكنولوجيا، وينطوي على استثمارات قد تتجاوز قيمتها 200 مليار دولار في السنوات الأربع المقبلة.

مما تقدم يمكن القول أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومنذ اللحظات الأولى لترشحه في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية، عمل على خلق موائمة مستمرة مابين موضوع الأمن والدور الأمريكي العالمي، ولطالما ركز في تصريحاته على الربط مابين الخدمات الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية والمردود المادي المتوقع من الدول التي تحظى بهذه الخدمات وتحديداً (المانيا واليابان وكوريا الجنوبية والسعودية)، كونها تمثل بالأساس الركائز الرئيسة لأستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، ولعل هذا مايفسر ايضاً السبب الذي دفع البيت الأبيض إلى إعطاء زعماء هذه الدول الأولوية للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتأكيد أ، ادارة الرئيس الأمريكي ترامب ستستمر بالضغط على هذه الدول لتحويل الفائض النقدي فيها


[1] النيوليبرالية: هل هي أيديولوجية العالم الجديد؟، نون بوست، في تاريخ 17 نوفمبر 2016.

http://www.noonpost.org/content/15104

[2] إدارة ترامب وتقييم المصالح الأمريكية في شرق آسيا، الوسيلة نيوز، في 9 مارس 2017.

http://www.alwasela.com/37693

[3] ترامب: ألمانيا مدينة للولايات المتحدة وحلف الأطلسي بمبالغ طائلة، دوفا جيلا الالمانية ، في 17 مارس 2017.

http://www.dw.com/ar/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-