إشكالية كوسوفو

يعتبر التدخل الروسي في أوكرانيا بمثابة “11 سبتمبر” جديد في العلاقات الدولية ، بسبب أن روسيا أتبعت أسلوب الحروب الهجينة في تدخلها ، مما سمح لها بالإنتشار في البلقان وأوروبا، وبعد الأزمة الأوكرانية إزدات فاعلية الدور الروسي في المنطقة ، مما يعني حدوث المزيد من التوترات الجديدة ، فضلاً عن أن دخول الغرب في صراع جيواستراتيجي مع روسيا حول منطقة البلقان ، أدى إلى تآكل أهمية البلقان في الإستراتجيات الأطلسية.

وتأتي الإستراتيجية الروسية في البلقان على نطاق واسع ، فهي ليست مؤثرة على دول البلقان فقط ، ولكنها تؤثر على دول أوروبا أيضاُ ، إذ تسعى روسيا إلى :

 أولا: إستهداف الدول الشيوعية السابقة.

ثانيا: إعادة إحياء الأخوية السلافية، وتعد صربيا الدولة ذات أهمية في هذا الشأن.

ثالثا: تطمح روسيا قيادة السلاف الأرثدوكس.

 رابعاً: تسعى روسيا لخلق أزمة بين أعضاء الإتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، مما يؤثر في جعل العلاقات في البلقان أكثر تعقيداً، وعلى تعاون كوسوفو مع دول المنطقة.

وبشكل عام تسعى الحكومات لوضع سياسات تشكل برامجها الفلسفية ، المفاهمية والدبلوماسية الفعالة للسياسة الخارجية، وتضع التهديدات بشكل هرمي متسلسل، وطبقاً لهذا جعلت كوسوفو التكامل مع الإتحاد الأوروبي إستراتجية ذات أولوية لها، ومن أكبر التهديدات لها هي سياسات صربيا.

وعلى الرغم من وصف الحوار المستمر بين كوسوفو وصربيا كخطوة إيجابية نحو تطبيع العلاقات ،إلا أنه إلى الأن لم يتم الإعتراف باستقلال كوسوفو رسمياً من قبل بلغراد ، وفي حالة الإعتراف بها فإن هذا سيساعدها على دعم مكانة كوسوفو دولياً، وتسهيل إنضمامها للإتحاد الأوروبي ، بالإضافة لتسهيل إنضمام صربيا أيضاً.

في 19 نيسان 2013 حصلت صربيا على إلتزام دولي بعدم دخول كوسوفو في تكامل مع الإتحاد الأوروبي، ولكنها تفعل الكثير لضمان عدم حصول كوسوفو على إعتراف دولي في إستقلالها، ومع هذا لا تفعل حكومة بريتشا أي شيء ضد جهود الحكومة الصربية، مما يجعل الموقف الصربي هدراً للحوار بين البلدين .

ونتيجة للدبلوماسية الصربية الرافضة للإتهامات التي وجهتها لها محكمة الجرائم الدولية ، والتي حملتها مسؤولية جرائم الحرب ليوغسلافيا السابقة قبل تفككها ، مما حدى بمحكمة الجرائم إلى النظر عنها ، وبالتالي عدم حصول كوسوفو لإي تعويضات لضحاياها.

وفي الحقيقة فإن عدم الإعتراف بإستقلال كوسوفو من قبل القوى الدولية الفاعلة دفع البلاد لوضع صعب، إلى جانب حقيقة أخرى متمثلة بطموح روسيا توسعها في البلقان ، إلى جانب جوارها لصربيا ، الأمر الذي صعب من موقفها ، وهنا يجب عليها الإنتهاء من سياسة رد الفعل ، والتخطيط جيداً لسياستها الخارجية عن طريق دبلوماسية معينة من خلال الإتصال الجماهيري والإجتماعي ، وعلى الذاكرة السياسية دائماً تذكر ما حدث ، وهذا يخولها لتحقيق اهدافها.

فقد لا يكون اللأعب الدولي الصغير مؤثراً في سياسات الدول الكبرى ، ولكن الإنزعاج الدولي من سياسات روسيا تجاه البلقان ساهم بدعم تطلعات كوسوفو، إذ طلب الإتحاد الأوروبي إغلاق القواعد العسكرية الروسية في صربيا ، كشرط مقدم للحديث عن إنضمام صربيا للإتحاد الأوروبي، وهذا ما يظهر عدم راحة بروكسل من السياسات الروسية ، ولكن هذا التضارب في السياسة الخارجية لبلغراد يقود صربيا لطريق مجهول ، وبالتالي فإن عليها الإختيار الشرق أم الغرب، وإن صربيا في هذا الإختيار ستؤثر على كوسوفو مباشرة ، كما أنه سيؤثر في مستقبل السياسة الخارجية لكوسوفو.